السبت - 31 اكتوبر 2026

بانتظار الانتظار… حكاية عمرٍ يمضي ونحن ننتظر.. الجزء الأول..!

منذ 5 ساعات
السبت - 31 اكتوبر 2026

أمين السكافي ||

 

 

 

منذ اللحظة الأولى التي نفتح فيها أعيننا على هذه الدنيا، نكون قد دخلنا، من حيث لا ندري، في طابور طويل اسمه الانتظار. نصل عراةً، خفيفين من كل معرفة، لا نعرف أسماء الأشياء ولا سرّ الأصوات التي تحيط بنا، ولا نفهم فرحة الوجوه بصرختنا الأولى. وحده العالم يعرف أن ضيفاً جديداً قد وصل، فيستقبله بالتسمية والاحتضان والرعاية، كأنه يقول له: هذه بدايتك، وعليك أن تواصل.

في تلك الأيام لا نعرف أننا ننتظر شيئاً. نتنفس بلا قرار، ونبكي بلا تفسير، وننام حين يغلبنا التعب. أمٌّ تسهر إلى جوارنا أسابيع طويلة، تراقب أنفاسنا وتتعلم إشاراتنا، وتحاول أن تصالح نومنا مع نوم البيت. لا تنتظر الأم جواباً ولا مكافأة؛ يكفيها أن تطمئن إلى أن صغيرها بين ذراعيها. أما الأهل، ففي فرحتهم بولادتنا ينتظرون أن نكبر، ونحن لا نملك من أمرنا إلا أن نكبر، يوماً بعد يوم، مثل نبتة لا تعرف أن الضوء هو الذي يسحبها إلى أعلى.

ثم يأتي موعد المدرسة، ذلك الباب الذي نعبره من حضن البيت إلى عالم لا يشبهه. في أيامنا لم تكن الحضانة متاحة للجميع، ولذلك كانت الأيام الأولى في المدرسة امتحاناً قاسياً للصغار قبل أن تكون امتحاناً للحروف. بكاء هنا، وصراخ هناك، وأيدٍ تتشبث بثياب الأمهات، ووجوه صغيرة تبحث في الزحام عن نافذة تعيدها إلى البيت. بعض الأطفال لم يتمالكوا أنفسهم، فاختلط الخوف بروائح محرجة، وبدت الصفوف كأنها ساحة مصغّرة ليوم القيامة؛ كل واحد يواجه فزعاً أكبر من قامته، ولا يعرف كيف يشرح ما يحدث في داخله.

ومع الأيام تهدأ العاصفة، ونعتاد المقاعد والدفاتر والجرس، ويبدأ السباق بين التلاميذ. هناك المتفوق الذي يسبق الجميع، والكسول الذي يفاوض الوقت كي ينجو من الواجبات، وبينهما تلاميذ يبحثون عن مكان. ولكل واحد مأربه: علامة ترضي أباه، أو نجاة من توبيخ أمه، أو ساعة لعب إضافية. أما أنا، فكنت أرى في المدرسة زمناً ينبغي أن ينقضي، وأحسب الأيام لا لأعرف ما تعلمته، بل لأعرف كم بقي حتى ينفتح باب الصيف.

كنت من كارهي المدرسة، وربما من كارهي كل التزام يضع حول الروح سياجاً. لم أكن أكره المعرفة بقدر ما أضيق بالقيود التي تحيط بها. كنت أعشق الحرية، وأشعر أن الوقت حين يُترك لي يصبح ملكاً حقيقياً، أما حين يوزع على الحصص والواجبات والمواعيد فيتحول إلى حارس يقف عند الباب. لذلك كان الصيف موعد الخلاص الصغير؛ لا استيقاظ مبكراً، ولا جرس يقطع الحلم، ولا دروس تنتظر على طرف الطاولة. حرية لها حدود الأسرة، لكنها في عين طفل كانت اتساع الدنيا.

وكان للبحر في حكايتي مكان لا يشبه أي مكان آخر. في الخريف والشتاء، كنت أجلس ساعات طويلة على الصخور المواجهة له، أراقب الأمواج وهي تتقدم وتتراجع، وأقارن ارتفاع واحدة بأختها، كأنني أقيس مزاج العالم بمسطرة من ماء. لم أكن أبحث عن جواب؛ كنت أترك عينيّ تتبعان الموج، وأشعر أن البحر يفهم صمتي. كان يعلو كأنه يعلن غضبه، ثم ينكسر ويعود؛ فالتراجع ليس هزيمة.

أما في الصيف، فكان البحر المقابل لمنزلنا منتجعنا المفتوح، لا تذاكر دخول إليه ولا مواعيد مغادرة. هناك كانت الحرية تخلع حذاءها وتركض على الرمل، وتبدو الأيام أطول. لم أكن أعرف يومها أنني سأشتاق إلى تلك الساعات، ولا أن الذاكرة ستحتفظ بتفاصيل: صخرة اعتدتها، موجة راقبتها، شمس تميل، وطفل يظن أن الصيف لن ينتهي.

لكن الصيف ينتهي دائماً، كما تنتهي الفصول، وتعود المدرسة، ثم تكبر الأعمار وتتبدل أسماء الانتظارات. ننتظر العطلة، ثم الشهادة، ثم العمل، ثم الراتب، ثم بيتاً أوسع أو سفراً مؤجلاً أو خبراً يطمئن القلب. نركض وراء الغد كأنه باب الخلاص، فإذا بلغناه وجدناه ممراً إلى غد آخر. وربما كانت المفارقة أن الطفل الذي كان ينتظر انتهاء المدرسة لم يكن يعرف أنه يعيش زمناً لن يعود، وأن الرجل الذي يملك اليوم حرية القرار قد يدفع عمره كله ثمناً ليستعيد ساعة واحدة من ذلك الجلوس على صخور البحر.

وهكذا، قبل أن نفهم معنى الحياة، نكون قد بدأنا انتظارها. ننتظر أن نكبر، ثم ننتظر أن نكبر أكثر، ولا نلتفت إلا متأخرين إلى أن العمر لم يكن محطة نصل إليها، بل الطريق الذي كنا نعبره ونحن نحدق في المحطة التالية. أما الموت، ذلك الموعد الذي لا يملك أحد إلغاءه، فيبقى في آخر الطريق حقيقة لا تحتاج إلى استعجالنا ولا إلى تذكيرنا. فهل نحن ننتظر الموت، أم أننا نهدر الحياة ونحن ننتظر كل شيء سواه؟

هذه ليست حكاية عمر اكتمل، بل نافذة أولى على رحلة طويلة؛ رحلة سنعود فيها إلى الانتظار، لا بوصفه عادة يومية فحسب، بل بوصفه السؤال الذي يرافق الإنسان من صرخته الأولى حتى صمته الأخير.