الجمعة - 30 اكتوبر 2026

الأنتخابات الأسرائيلية … أزمة قيادة وأنقسام داخلي ومستقبل مفتوح على المجهول..!

منذ 24 ثانية
الجمعة - 30 اكتوبر 2026

 المهندس يونس الكعبي ||
30 تشرين الأول 2026

 

 

 

كثر الحديث في الأوساط الأكاديمية والأعلامية وكذلك بين عموم المجتمع حول نتائج الأنتخابات التي جرت في اسرائيل ومدى تأثيرها على منطقتنا ، كون اسرائيل أصبحت تهدد الوجود العربي في المنطقة وتحاول إنشاء دولتها المزعومة على حساب الأراضي التاريخية للعرب ، وهذا يشكل تهديدا وحودياََ للأنظمة العربية القائمة حالياََ ، لذلك سنتناول بشيء من التفصيل نتائج هذه الأنتخابات والتحليلات التي ارتبطت بها أعتماداََ على أهم المواقع العالمية ومراكز الدراسات التي غطت هذا الحدث.
لم تكن الأنتخابات الأسرائيلية التي جرت في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 مجرد أستحقاق ديمقراطي لتجديد عضوية الكنيست ، بل جاءت أختباراََ سياسياََ وأجتماعياََ وأمنياََ في مرحلة شديدة التعقيد. تتداخل فيها تداعيات الحرب ، وأزمة الثقة بالقيادة ، والأنقسامات حول هوية الدولة وطبيعة نظامها السياسي ، ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين ومحيطها الأقليمي. وقد كشفت النتائج الأولية عن مشهد برلماني منقسم ، لا يمنح أياََ من الطرفين طريقاََ سهلة لتشكيل حكومة مستقرة.
أن قراءة نتائج هذه الأنتخابات لا ينبغي أن تقتصر على أسماء الفائزين أو الخاسرين ، أو على عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب ، وأنما تستوجب التوقف عند طبيعة الصراع السياسي داخل المجتمع الأسرائيلي ، وحدود قدرة النظام السياسي على تحقيق تسوية داخلية لهذا الصراع ، وأنعكاسات ذلك على السياسات الأمنية والعسكرية والأقليمية في المرحلة المقبلة.

تتسم الأنتخابات الأسرائيلية بخصوصية النظام البرلماني القائم على التمثيل النسبي ، حيث لا يكفي حصول حزب ما على أكبر عدد من المقاعد لتشكيل الحكومة ، بل يجب على رئيس الحكومة المكلف تأمين دعم 61 عضواََ على الأقل من أصل 120 عضواََفي الكنيست.
وفي الأنتخابات الأخيرة ، أظهرت النتائج الأولية ، وفق ما نشرته وكالة رويترز للأنباء في 29 تشرين الأول ، حصول فريق بنيامين نتنياهو على نحو 53 مقعداََ ، مقابل 48 مقعداََ للفريق المنافس الذي يقوده غادي آيزنكوت ، فيما يتوقع أن تحصل الأحزاب العربية على نحو 19 مقعداََ. وبذلك بقى الفريقان المتنافسان دون الأغلبية المطلوبة ، وأصبحت المفوضات مع الأحزاب الأخرى ، ومواقف الكتل العربية ، عاملاََ مؤثراََ في تحديد شكل الحكومة المقبلة. وهذه أرقام أولية قابلة للتغيير مع أستكمال عمليات العد والفرز النهائية.
غير أن جوهر المأزق لا يكمن في الحسابات العددية وحدها ، بل في صعوبة التوفيق بين مطالب الأحزاب الدينية والقومية ، وتوجهات القوى المعارضة ، والخلافات حول الخدمة العسكرية ، والسياسات الأمنية ، وحدود التسوية السياسية ، فضلاََ عن التنافس الشخصي والسياسي بين القيادات.
ومن هنا ، تبدو الأنتخابات أقرب إلى صراع على كيفية أدارة الأزمات المتراكمة ، وليس منافسة بين مشروعين متباعدين في الرؤية والتوجهات. فوجود خلافات حادة بين نتنياهو وخصومه لا يعني بالضرورة وجود توافق عميق بينهم على مستقبل القضية الفلسطينية أو على طبيعة السياسات الأسرائيلية في الأراضي المحتلة.

لا يمكن كذلك فصل هذه الأنتخابات عن الجدل المتواصل بشأن أداء بنيامين نتنياهو ، ولا سيما منذ هجمات السابع من تشرين الأول ، وما أعقبها من حرب وتداعيات أمنية وسياسية ، فضلاََ عن الأنتقادات المتعلقة بأدارة الحرب والمساءلة عن الأخفاقات الأمنية.
وقد أظهرت النتائج أن نتيناهو لا يزال يمتلك قاعدة أنتخابية مهمة ، وأن حزب الليكود بقي الحزب الأكبر منفرداََ وفق النتائج الأولية ، لكن ذلك لم يتحول إلى أغلبية برلمانية مضمونة للمعسكر الذي يقوده. وهذا التمييز أساسي لفهم المشهد ، فالتقدم الحزبي لا يعني بالضرورة القدرة على الحكم ، كما أن تراجع فرص تشكيل أئتلاف لا يعني تلقائياََ نهاية النفوذ السياسي لصاحبه.
وفي المقابل ، يواجه خصوم نتنياهو معضلة تتعلق بقدرتهم على تقديم بديل متماسك ، وليس بمجرد توحيد القوى الرافضة لأستمراره ، فالتحالفات التي تتشكل أساساََ على قاعدة الأعتراض على شخصية سياسية قد تجد صعوبة في الأتفاق على برنامج مشترك بشأن الحرب ، والتسوية مع الفلسطينيين ، والعلاقة مع الولايات المتحدة ، ومكانة الأحزاب الدينية ، ومستقبل المؤسسة العسكرية.
لذلك ، فأن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمن سيقود الحكومة المقبلة ، بل بما أذا كانت القيادة الجديدة قادرة على أحداث تغيير ملموس في السياسات التي أسهمت في تعميق الأزمات الداخلية والخارجية.
كشفت هذه الأنتخابات عن أنقسامات تتجاوز حدود المنافسة التقليدية بين اليمين والوسط واليسار ، لتطال تعريف الهوية السياسية للدولة ، والعلاقة بين الدين والديمقراطية ، وتوزيع الأعباء العسكرية والأقتصادية ، وحدود صلاحيات الحكومة والمؤسسات الرقابية.
ومن أبرز هذه الملفات قضية أعفاء قطاعات من اليهود المتدينين المتشددين من الخدمة العسكرية ، وهي قضية تتصل بمفهوم المساواة في تحمل الأعباء ، خصوصاََ في ظل الحاجات المتزايدة للجيش. كما تبرز الخلافات حول مكانة القضاء ، والتوازن بين السلطات ، وطبيعة العلاقة بين الأغلبية السياسية وحقوق الأقليات. وقد أشارت تحليلات الأنتخابات إلى أن هذه القضايا كانت من أبرز مصادر الأنقسام داخل المجتمع الأسرائلي.
وفي هذا السياق ، لا تبدو فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية ضمانة كافية لأنهاء الأزمة ؛ أذ يمكن أن تجمع مثل هذه الحكومة أطرافاََ متنافسة تحت سقف واحد ، لكنها قد تعجز عن معالجة الخلافات الجوهرية التي تفصل بينها.
بل أن أتساع الخلافات قد يجعل الحكومة المقبلة ، أياََ كانت تركيبتها ، أمام معادلة صعبة ، في المحافظة على تماسك الأئتلاف من جهة ، والأستجابة لمطالب جمهور متباين في أولوياته وتصوراته للمستقبل من جهة أخرى.

الشيء اللافت في هذه الأنتخابات أرتفاع تمثيل الأحزاب العربية ، التي يتوقع أن تشغل مجتمعة 19 مقعداََ في الكنيست ، في زيادة كبيرة وأقبال واسع من العرب في داخل أسرائيل على المشاركة في الأنتخابات خلافاََ للأنتخابات السابقة وفقاََ لتقارير صحفية نشرت عقب أنتهاء التصويت.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية تتجاوز عدد المقاعد ، لأنها تضع الأحزاب العربية في قلب المعادلة القادمة للتشكيلة الحكومية والتمثيل داخل الكنيست ، خصوصاََ في ظل عجز المعسكرين الرئيسيين في بلوغ الأغلبية بصورة منفردة.
لكن هذا التأثير المحتمل يصطدم بعقبات سياسية واضحة. فقد أعلن غادي آيزنكوت خلال حملته الأنتخابية مواقف تحد من خيارات التعاون مع الأحزاب العربية ، بينما تختلف مواقف هذه الأحزاب نفسها بشأن طبيعة المشاركة الممكنة وشروطها ، ولا سيما في ظل الحرب والسياسات المتعلقة بغزة ولبنان والقضية الفلسطينية.
وهنا تظهر مفارقة سياسية لافتة ، قد تحتاج قوى يهودية معارضة لنتينياهو إلى دعم الأحزاب العربية لتشكيل حكومة ، لكنها تواجه في الوقت نفسه ضغوطاََ داخلية تجعل قبول هذا الدعم مسألة خلافية.
وتكشف هذه المفارقة حدود المشاركة السياسية للمواطنين العرب ؛ فأرتفاع تمثيلهم يمنحهم وزناََ برلمانياََ أكبر ، لكنه لا يضمن وحده قبول القوى الأخرى بالتعامل معهم كشركاء متكافئين في السلطة.
ومن الضروري ، في هذا الصدد ، التمييز بين الفلسطينيين المواطنين في أسرائيل الذي يشاركون في الأنتخابات البرلمانية ، والفلسطينيين في الأراضي المحتلة الذين لا يشاركون في أنتخابات الكنيست بالطريقة ذاتها. ومع ذلك ، فأن القضية الفلسطينية تظل حاضرة في النقاشات الأسرائيلية ، سواء من زاوية الأمن والحرب أو من زاوية الحقوق السياسية ومستقبل التسوية.

ومن الخطأ التفكير أن التغيير في قيادة الحكومة القادمة سيؤدي إلى تحول جذري في السياسة الأسرائيلية تجاه الفلسطينين ، وتجاه دول المنطقة ، فالمنافسة بين الأحزاب تتضمن خلافات حقيقية بشأن الوسائل والأولويات ، لكنها لا تعني بالضرورة أتفاقاََ على أنهاء الأحتلال أو أقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وقد تتباين المواقف الأسرائيلية بشأن أدارة الحرب ، والتوسع الأستيطاني ، والضم ، والتفاوض ، وترتيبات الأمن ، لكن تقييم أي حكومة يجب أن يستند إلى قرارتها الفعلية وممارساتها ، لا إلى خطابها الأنتخابي وحده.
وتبرز هنا أهمية مراقبة الملفات التالية:
* الأستيطان والضم: مدى أستمرار التوسع الأستيطاني ، وأي خطوات قانونية أو أدارية تتعلق بالأراضي الفلسطينية.
* غزة وطبيعة الترتيبات الأمنية والسياسية ، ومستقبل أدارة القطاع ، وأمكانية التوصل إلى تسوية تنهي دوائر الحرب المستمرة.
* القدس والمسجد الأقصى ، وأثر السياسات الحكومية في الوضع القائم ، وحقوق السكان الفلسطينيين ، وأحتمالات التصعيد.
* الحقوق الفلسطينية ، بيان الموقف من تقرير المصير وأقامة دولة فلسطينية ، وحدود الأعتراف بالحقوق السياسية والوطنية للفلسطينيين.

أما وصف بعض السياسات بأنها فصل عنصري أو جرائم حرب أو أبادة ، فينبغي ربطه بالتعريفات القانونية والأدلة والقرارات الصادرة عن الجهات القضائية المختصة ، مع التمييز بين الوقائع المثبتة والأتهامات والمواقف السياسية.

تجري هذه الأنتخابات في ظل جدل دولي متزايد بشأن تداعيات الحرب ، والأوضاع الأنسانية في الأراضي الفلسطينية ، ومستقبل العلاقات الأسرائيلية مع عدد من الدول ، وقد أضافت هذه الملفات أبعاداََ جديدة إلى النقاش الداخلي حول كلفة السياسات الحكومية وتأثيرها على العلاقات الخارجية.
وفي الأطار الأقليمي ، ستظل العلاقات مع الولايات المتحدة ، والتوترات مع أيران ، والوضع في لبنان وسوريا ، ومستقبل الترتيبات في غزة ، من الملفات التي تؤثر في خيارات الحكومة القادمة. وقد يؤدي أستمرار الأنقسام الداخلي إلى تقييد قدرة القيادة على أتخاذ قرارت بعيدة المدى ، أو إلى زيادة أعتمادها على أعتبارات الأئتلاف والحسابات الأنتخابية.
أما الحديث عن تراجع النفوذ الأمريكي أو تغيير موازين القوى الأقليمية فيحتاج بدوره إلى قراءة مستقلة لمؤشرات القوة العسكرية والأقتصادية والدبلوماسية ، بدلاََ من أعتباره نتيجة محسومة للأنتخابات الأسرائيلية.

لا تنتج هذه الأنتخابات سياسة أقليمية جديدة من قبل أسرائيل تجاه دول المنطقة ، لكنها بالتأكيد تحدد هوية القوى التي ستتولى أتخاذ القرار ، والقيود السياسية التي ستفرض على صاحب القرار ، والخيارات التي تستطيع الحكومة القادمة الدفاع عنها داخل الأئتلاف الحاكم.
وفي ضوء النتائج ، تبرز ثلاثة مسارات رئيسية يمكن أن تتبلور خلال مفاوضات تشكيل الحكومة:
الأول: أعادة تشكيل أئتلاف بقيادة نتنياهو ، وهذا يتطلب تأمين الدعم البرلماني اللازم ، سواء من خلال الحلفاء الحاليين أو عبر تفاهمات جديدة مع قوى أخرى.
الثاني: محاولة تشكيل حكومة بقيادة آيزنكوت ، ويتوقف نجاح هذا الخيار على تجاوز الخلافات بين أحزاب المعارضة ، وحسم مسألة الأستعانة بدعم الأحزاب العربية أو التعاون معها.
الثالث: أستمرار الأنسداد السياسي ، فأذا تعذر الوصول إلى أتفاق قابل للتطبيق ، فقد تطول المفاوضات وتتزايد أحتمالات اللجوء إلى ترتيبات مؤقتة أو أنتخابات جديدة ، وفق الأجراءات الدستورية.
تبقى هذه مسارات محتملة وليست نتائج محسومة ؛ إذ تعتمد على المفاوضات ومواقف الأحزاب والقرارات الرسمية خلال المرحلة المقبلة.
وبالنسبة للفلسطينيين ، فأن المعيار الأساسي لن يكون أسم رئيس الحكومة القادم ، بل ما سيكون عليه طبيعة السياسات التي ستطبق في المرحلة القادمة ، هل تتجه الحكومة القادمة إلى خفض التصعيد وفتح المجال أمام تسوية سياسية ، أم تستمر في أدارة الصراع من خلال الماكنة العسكرية والأجراءات الأحادية المتشددة.
كما أن أستمرار جبهات التوتر في المنطقة قد يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية شاملة ، ويجعل أي تحول سياسي داخل أسرائيل مرتبطاََ بعوامل تتجاوز حدودها ، من بينها مواقف القوى الأقليمية والدولية ، وأوضاع الفلسطينيين ، ومسارات الصراع المفتوحة.