السيد.. يضع الأمة أمام حقيقة الصراع ومعادلة التحرر..!
أحلام الصوفي ||

لم تكن كلمة قائد الثورة اليمنية السيد عبدالملكبدرالدين الحوثي في الذكرى السنوية للشهيد خطاباً تقليدياً لإحياء مناسبة وطنية وإيمانية، بل جاءت محملة برسائل سياسية وفكرية عميقة، وضعت واقع الأمة أمام قراءة شاملة لطبيعة الصراع الدائر، وكشفت الترابط بين مشاريع الهيمنة والاستكبار، ومحاولات إخضاع الشعوب وتفكيك هويتها ومصادرة قرارها المستقل.
لقد انطلق السيد في كلمته من مكانة الشهداء في المنظور القرآني، ليؤسس من خلالها لفهم أوسع لمعنى التضحية والثبات والمسؤولية، مؤكداً أن إحياء الذكرى السنوية للشهيد ليس مجرد استذكار لمن رحلوا، وإنما تجديد للوعي بالقضية التي استشهدوا من أجلها، وترسيخ للقيم التي حملوها، واستحضار للدور الذي ينبغي أن تضطلع به الأمة في مواجهة الظلم والطغيان.
ومن هنا، اكتسب حديثه عن أسر الشهداء أهمية خاصة، باعتبارها الأسر التي تحملت أعظم التضحيات، وقدمت أبناءها في سبيل الله، وتواجه ألم الفراق بروح الصبر والاحتساب والاعتزاز. فالشهداء، وفق ما أوضحته الكلمة، ليسوا مجرد أسماء في سجل التضحية، بل نماذج في العطاء والأخلاق والثبات، تستلهم الأجيال من سيرتهم معاني الصبر والإخلاص وتحمل المسؤولية.
ومن أبرز المضامين التي حملتها الكلمة تناولها العلاقة بين ثقافة الشهادة والتحرر من الخوف، وهي مسألة تتجاوز بعدها الإيماني إلى بعدها الاجتماعي والسياسي؛ لأن الطغاة لا يعتمدون على القوة المادية وحدها في إخضاع الشعوب، بل يعملون أيضاً على تكريس الخوف والتدجين والاستسلام، حتى تفقد المجتمعات قدرتها على الاعتراض والدفاع عن حقوقها وكرامتها.
وهنا تتضح أهمية الوعي الذي ركزت عليه الكلمة؛ فالأمة التي تستوعب مسؤوليتها تجاه قضاياها العادلة لا تتحول إلى مجتمع خاضع ينتظر ما يقرره الآخرون له، بل تمتلك إرادة الفعل والمبادرة، وتدرك أن الحرية لا تتحقق بالشعارات، وإنما بموقف يحميها ويحافظ عليها. وقد ربط السيد بين هذا الوعي وبين ضرورة امتلاك أسباب القوة والمنعة، حتى لا تكون الشعوب مستباحة أمام القوى التي تسعى إلى السيطرة على أوطانها وثرواتها ومقدراتها.
وفي قراءته للمشهد الدولي، سلط السيد الضوء على التناقض بين الإمكانات الهائلة التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية وبين طبيعة الدور الذي تمارسه في العالم. فبدلاً من توظيف تلك القدرات في خدمة الإنسانية وتحقيق الأمن والاستقرار، أشار إلى استخدامها في الحروب والتدخلات العسكرية وتطوير أسلحة التدمير والإبادة، فضلاً عن توظيف النفوذ الإعلامي في التأثير على وعي الشعوب وتوجيهها.
وهذه القراءة تضع مسألة الهيمنة في إطارها الحقيقي؛ فالمشكلة ليست في امتلاك القوة، وإنما في العقلية التي تتحكم بها والأهداف التي توظف من أجلها. وعندما تصبح القوة وسيلة لفرض الإرادة ونهب الثروات وتدمير المجتمعات، فإنها تتحول إلى أداة للطغيان مهما تعددت الشعارات التي تحاول تبريرها.
ومن هنا جاء تحذيره من الانخداع بالعناوين التي ترفعها قوى الاستكبار، مثل الحرية والتحرير وحقوق الإنسان والرفاه الاقتصادي، في الوقت الذي تكشف فيه الممارسات عن واقع مختلف يقوم على الاحتلال والتدمير والإبادة والتدخل في شؤون الشعوب.
وعندما انتقل السيد إلى تناول الواقع اليمني، وضع العدوان المستمر منذ السادس والعشرين من مارس 2015 في سياق أوسع يرتبط بمشاريع الهيمنة على المنطقة، موضحاً طبيعة الأدوار التي قال إن الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل تؤديها في الإشراف والتخطيط والدفع، فيما يتولى النظام السعودي، وفق توصيفه، دور التنفيذ والتمويل والتبني.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه لا يتعامل مع العدوان على اليمن باعتباره مجرد خلاف بين دولتين أو نزاع سياسي محدود، بل يربطه بمسألة القرار الوطني والسيادة والاستقلال، وبمحاولات إخضاع شعب يمتلك ثروات وإمكانات وحقاً في إدارة شؤونه بعيداً عن التدخلات الخارجية.
وقد ركزت الكلمة على أن استمرار الحصار والحرمان من عائدات النفط والغاز والثروات الوطنية ينعكس مباشرة على حياة المواطنين، وعلى قدرتهم في الحصول على المرتبات والخدمات الصحية والتعليمية والخدمات العامة. كما أشار السيد إلى استهداف الحقول الزراعية والمنشآت المدنية ومقومات الحياة، معتبراً أن هذه الممارسات تتجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى استهداف المجتمع في أساسيات معيشته واستقراره.
ومن هذا المنطلق، أعاد التأكيد على أن المطلوب هو وقف العدوان ورفع الحصار وترك الثروات الوطنية للشعب اليمني، واحترام حقه في الحرية والاستقلال. وهي رسالة واضحة بأن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقوم على استمرار الضغوط والحصار، وإنما على إنهاء أسباب العدوان واحترام حقوق الشعب اليمني.
ومن أكثر المحاور أهمية في الكلمة، تحذير السيد من توظيف العناوين الطائفية والتكفيرية في تفكيك الأمة وإشغال شعوبها بصراعات داخلية تخدم مشاريع الهيمنة الخارجية.
فقد طرح تساؤلاً جوهرياً حول غياب المواقف العملية لبعض الجهات التي تقدم نفسها بصفة دينية إزاء ما تعرض له الشعب الفلسطيني في غزة من عدوان وإبادة وتدمير، في مقابل نشاطها في إثارة الصراعات والعناوين الطائفية. وهنا تكمن المفارقة التي أراد إبرازها؛ إذ إن القضية الفلسطينية، بما تحمله من مظلومية واضحة واعتداءات، تمثل اختباراً حقيقياً للمواقف، وتكشف مدى صدق الشعارات الدينية والسياسية التي ترفعها مختلف القوى والجهات.
فالانشغال بصناعة العداوات الداخلية، وتوجيه المجتمعات نحو صراعات مذهبية، لا يؤدي إلا إلى إضعاف الأمة وتفكيكها، وصرف أنظارها عن القضايا التي تمس أمنها وكرامتها ومستقبلها.
وفي محور آخر، تناول السيد قضية المقدسات الإسلامية، مؤكداً أنها ملك لجميع المسلمين، وأن مكة المكرمة والمدينة المنورة ليستا ملكاً للنظام السعودي أو حكراً على فئة بعينها، بل هما مقدستان ترتبط بهما عقيدة المسلمين وشعائرهم وعباداتهم في مختلف أنحاء العالم.
وقد جاء حديثه رداً على الاتهامات التي قال إنها تستهدف الشعب اليمني بشأن المقدسات الإسلامية، معتبراً أن توظيف هذه القضية في الصراع السياسي يمثل خطراً على وحدة الأمة، ويحول المقدسات من عامل جامع للمسلمين إلى وسيلة للفرقة والاتهام والتحريض.
وتحمل هذه الرسالة بعداً مهماً، يتمثل في الفصل بين قدسية الأماكن الإسلامية وبين المواقف السياسية للأنظمة، فتعظيم المقدسات مسؤولية إيمانية مشتركة، ولا يجوز تحويلها إلى أداة لتبرير العدوان أو تشويه الشعوب أو مصادرة حقها في الدفاع عن نفسها.
وفي سياق حديثه عن العلاقة مع النظام السعودي، شدد السيد على أن الشعب اليمني يواجه عدواناً وحصاراً مستمرين، وأن موقفه يأتي في إطار الدفاع عن النفس والحرية والاستقلال، مؤكداً التمسك بمعادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد، باعتبارها، وفق ما طرحه، وسيلة لمواجهة استمرار الاعتداء والضغط على الشعب اليمني.
كما دعا النظام السعودي إلى وقف عدوانه وحصاره، محذراً من أن الإصرار على مواصلة هذا المسار لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر والتبعات.
وتوقف كذلك عند ما وصفه بالجرائم المرتكبة بحق المدنيين، مشيراً إلى جريمة سوق الحزم والاعتداءات التي تحدث في محافظة تعز، ومؤكداً أن استهداف الأطفال والنساء والأسواق والمنشآت المدنية يزيد من حجم المظلومية اليمنية.
وفي ما يخص تعز، نفى السيد وجود حصار على المدينة، موضحاً أن المواد الغذائية والأدوية والاحتياجات الإنسانية متاحة للدخول، وأن المنع يقتصر على السلاح الموجه إلى الجماعات المسلحة التابعة للسعودية، بحسب ما جاء في كلمته.
إن القراءة المتكاملة لكلمة السيدعبدالملكبدرالدينالحوثي تكشف أن محورها الأساسي يتجاوز مناسبة الشهيد إلى قضية بناء الإنسان والأمة على أساس الوعي والمسؤولية والكرامة والاستقلال.
فالكلمة ربطت بين الشهادة بوصفها قيمة إيمانية، وبين مواجهة الطغيان باعتبارها مسؤولية، وبين القضية الفلسطينية باعتبارها اختباراً لمواقف الأمة، وبين العدوان على اليمن باعتباره نموذجاً لمحاولات إخضاع الشعوب ومصادرة قرارها.
كما أكدت أن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الأمة ليس فقط العدوان العسكري أو الحصار الاقتصادي، وإنما فقدان الوعي بحقيقة ما يجري، والانخداع بالشعارات، والانجرار خلف الصراعات التي تستنزف طاقاتها وتبعدها عن قضاياها الأساسية.
إن ذكرى الشهيد، وفق المضامين التي حملتها الكلمة، ليست مناسبة للحزن وحده، بل محطة لاستحضار المسؤولية والوفاء والتعلم من مواقف الشهداء، وتقدير تضحيات أسرهم، والتمسك بالقيم التي جعلت من التضحية موقفاً في مواجهة الظلم والدفاع عن الحق.
وهكذا وضع السيد عبدالملكالحوثي الأمة أمام حقيقة أساسية: أن الشعوب التي تريد الحرية والكرامة لا تستطيع أن تبني مستقبلها على الخضوع والتبعية، وأن مواجهة الطغيان تبدأ بوعي حقيقي يميز بين الحق والباطل، وبين الشعارات والممارسات، وبين من يسعى إلى حماية الشعوب ومن يوظف إمكاناته لإخضاعها.
إنها كلمة أرادت أن تجعل من ذكرى الشهيد مناسبة لتجديد الوعي بطبيعة الصراع، وتأكيد أن الوفاء للشهداء لا يكون بمجرد استذكار أسمائهم، وإنما بصون القيم والمبادئ التي ارتبطت بتضحياتهم.
#ملتقى-رائدات-الفكر-الحر




