ممرّ النار.. الحلقة الثالثة: بريدٌ بالنار..!
رياض الفرطوسي ||

حين لا ترغب الدول الكبرى في تبادل الضربات المباشرة، تتبادل الرسائل على أرض ثالثة. وقد عرف العراق هذا الدور مراراً. وخلال الأشهر الماضية اشتدت الظاهرة: ضربات وردود، وطائرات مسيّرة قرب مقار دبلوماسية في بغداد وأربيل، وانفجارات، وناقلات أُصيبت في المياه الإقليمية، وحتى منشآت نفطية تعرضت لهجمات مسيّرات.
هذه ليست حوادث معزولة، بل نمط يقرؤه الباحثون منذ سنوات. فقد شرح توبي دودج (باحث بريطاني في كلية لندن للاقتصاد متخصص في الشأن العراقي) كيف تتحول الدولة المبنية على التوازنات أكثر مما هي مبنية على المؤسسات إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح الكبار. وكتب علي علاوي (وزير عراقي سابق ومؤلف احتلال العراق) أن الفرصة الكبرى بعد 2003 كانت مؤسسية قبل أن تكون عسكرية.
والعراقي العادي لا يملك مقعداً في تبادل الرسائل، لكنه يستلم عنوانها. المطار والحقل والجسر والمصفاة قد تصير أهدافاً أو رهائن لحسابات لا يتحكم بها. ولعل الإنصاف يقتضي أن نقول إن الرسائل لا تصدر من اتجاه واحد: القوى الكبرى كلها، حين تجد أرضاً رخوة، تستعملها. فالمشكلة ليست في هوية الراسل، بل في هشاشة صندوق البريد.
وكيف يُحمى صندوق البريد؟ عرّف ماكس فيبر (عالم اجتماع ألماني) الدولة بأنها الجهة التي تحتكر استخدام القوة المشروعة على أرض محددة. وهذا ما تحتاجه كل دولة في زمن العواصف: قرار موحد في الحرب والسلم.
وفي العراق يحمل السؤال حساسية خاصة. فتجربتنا مع الاستبداد، كما صوّرها كنعان مكية (كاتب عراقي مؤلف جمهورية الخوف)، علّمتنا الحذر من المركز حين يتحول إلى أداة خوف. لكن الحذر من دولة متغولة لا ينبغي أن يصير تخلياً عن دولة قوية بالقانون. بين الاثنتين مساحة واسعة اسمها المؤسسات.
والمقصود هنا ليس اتهام أحد، فتاريخ العراق المعاصر أعقد من أن يُختزل. المقصود أن كل دولة تمرّ بأزمة إقليمية كبرى تحتاج إلى صوت واحد في الأمن والسياسة الخارجية. وحين تتعدد مراكز القرار تتعدد التفسيرات والتقديرات، ويصعب على الشركاء والجيران أن يعرفوا مع من يتحدثون. والدولة التي تتكلم بصوت واحد تفاوض أفضل، وتحمي حدودها وسماءها أفضل، وتقي علاقاتها مع جيرانها من سوء الفهم. وهنا يُكتب على صندوق البريد: (هنا لا تمر الرسائل).
في الحلقة القادمة: رئة واحدة، وقد ضاق مجراها.




