البصرة… مفارقة العقار بين الوفرة والغلاء الفاحش..!
الخبير المهندس حيدر عبد الجبار البطاط ||

قبل عشر سنوات فقط كانت الأراضي المهيأة للسكن في البصرة أقل بكثير مما هي عليه اليوم وقطع الأراضي المعروضة للبيع قليلة جداً.
ورغم شحة العرض آنذاك كانت الأسعار متواضعة ومنطقية لا تتجاوز الـ 100 مليون دينار عراقي للقطعة السكنية بمساحة 250 متراً مربعاً و 300 مليون دينار للقطعة التجارية في أفضل مناطق البصرة.
اليوم انقلبت المعادلة بشكل لا يقبله عقل ولا منطق اقتصادي.
اتسعت المدينة وتم استصلاح مناطق شاسعة للسكن مثل الصالحية و البيبان و أراضي الصبح و الشعيبه و المدينة الرياضية و عشرات المناطق الأخرى الكثير ة من شمال البصرة الى جنوبها و من شرقها الى غربها وبُنيت بناها التحتية وتم توزيع ما يقارب 300 ألف قطعة سكنية اضافة الى عشرات المجمعات السكنية المختلفة.
ان المنطق الاقتصادي يقول إن زيادة العرض بهذا الحجم يجب أن تخفض الأسعار لكن ما حدث هو العكس تماماً.
الأسعار تضاعفت بشكل جنوني وغير مسبوق لقطع الأراضي والبيوت.
لماذا؟ لأن اللعبة ليست عرض وطلب.
اللعبة غسيل.
ما هو السبب؟
السبب الوحيد هو التضخم الفاحش لأموال فئة قليلة من المواطنين على حساب النسبة الأكبر من المعدمين والفقراء ومحدودي الدخل.
هؤلاء الذين أصبحوا في ظل هذه الأرقام الفلكية عاجزين تماماً عن تملك منزل لهم أو لعائلاتهم.
هناك مقاولون ومستثمرون تضخمت أموالهم خلال الـ 15 سنة الماضية بشكل غير منطقي وغير طبيعي.
تضخمهم لم يكن بسبب جهد أو إبداع بل بسبب النفوذ والفساد بالشراكة مع متنفذين.
أصبحت المشاريع تُحال عليهم بعشرة أضعاف بل بمئة ضعف من سعرها الحقيقي في جميع دوائر الدولة.
وهناك متنفذون وتجار تضخمت أموالهم من خلال التجارة الممنوعة والأموال القذرة وتهريب النفط والدولار ومن خلال فساد عقود التشغيل المشترك والشراكة بنسب فاسدة بين القطاعات المختلفة.
و اكثرها هتكاً لأحكام الله ان تعطى أرض إلى متنفذ مجاناً باسم الاستثمار ثمّ ينشئ عليها دور سكنية و يبع بمئات الملايين ؟
هذه الأموال المتضخمة السوداء لا تجد لها ملاذاً آمناً لغسلها وتكديسها إلا سوق العقار.
فهم يشترون الأراضي والبيوت بأي سعر ليس للسكن بل للمضاربة وتبييض الأموال فأشعلوا السوق وحرموا الفقير من أبسط حقوقه.
والنتيجة؟
ابن البصرة و الموظف و المعلم و العسكري و العامل لا يستطيع أن يشتري 100 متر ليسكن هو وزوجته وأطفاله.
بينما المقاول الفاسد و تاجر الممنوعات يشتري مربعات كامله ويتركها خالياً للسنين القادمة ليبيعها بضعف اسعارها.
هذه ليست أزمة سكن هذه جريمة منظمة.
والحل ليس توزيعاً جديداً
التوزيع الجديد سيذهب لنفس الحيتان.
لذلك الحل لم يعد بيد السوق بل بيد الدولة.
صادر … حاسب … افرض ضريبة.
يجب على الدولة أن تضع أنظمة رادعة و ايقاف نزيف الدم و قتل الفقراء و المحرومين.
1. تفعيل قانون ( من أين لك هذا؟ ) ومحاسبة كل من تضخمت أمواله بشكل لا يتناسب مع دخله المشروع قبل 2003.
2. فرض ضرائب تصاعدية حقيقية على تملك أكثر من عقارين وعلى الأراضي المتروكة غير المستغلة وعلى الأموال المكدسة.
ضريبة 50% تصاعدية على من يملك أكثر من عقارين.
3. منع تكديس الأراضي وفرض غرامات ثقيلة تصاعدية و منع بيع الأراضي الموزعة حديثاً لمدة 10 سنوات حتى لا تتحول إلى تجارة.
4.محاسبة اصحاب المجمعات السكنية و من أعطاهم أصول الدولة مجاناً ثم اثروا على حساب المحرومين.
إن استمرار هذا الوضع يعني أن البصرة ستتحول إلى مدينة للأغنياء فقط مدينة يملكها مجموعة من المقاولين والمضاربين بينما أهلها يسكنون العشوائيات والإيجارات.
يجب أن يُقاد البلد بعقل المسؤول لا بعقل المقاول.
نحتاج الى عقل يرى الفقير لا عقل دلال يرى الكومشن.
المسؤول هو من يسأل غدا امام الله و الشعب و التاريخ.
ليس المطلوب أن نوزّع مزيداً من الأراضي فحسب بل أن نعرف لماذا أصبحت الأرض التي يفترض أن تؤمّن السكن للمواطن سلعةً يعجز عن شرائها وأن نكشف ما إذا كانت أموال الفساد والمضاربة قد استولت على سوق العقارات ثم نعالج الأسباب بالأدلة والقانون.




