العقيدة ام الوطن؟!
يوسف السعيدي ||

أي تلازم استوحاه مثقفونا من الادعاءات التي يلتقطونها من تيك توك ومواقع التواصل الاجتماعي؟ وأي متلازمة هذه التي تضعونها في مخيلة الناس؟ وأي أسئلة تافهة ترسخونها في عقول شبابنا وبناتنا؟ فهل كل ما يُطرح في هذه المواقع يصبح من المسلّمات، حتى يتناوله مدّعو الثقافة وكأنه موضوع مصيري وخطير، يستوجب توعية الناس بشأن تمسكهم بالوطن وبيعهم العقيدة؟
ألا تبّاً لكم من مثقفين لا تقرؤون، وتنشرون السموم الهادفة إلى تحطيم أفكار الشباب! فهل قرأتم سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين وأهل بيته عليهم السلام، وكيف آل بهم المآل إلى التضحية بكل غالٍ ونفيس من أجل الدين والحق وتحقيق العدالة الاجتماعية؟ ألم يهاجر النبي من مكة العزيزة عليه؟ ألم يغادر الإمام علي المدينة إلى العراق؟ وألم يغادر الإمام الحسين المدينة متوجهاً إلى مكة ثم إلى العراق، حتى انتهى به المسير إلى كربلاء؟ لقد كان فراق المدن عزيزاً عليهم، لكنهم لم يتخلوا عن الحق والمبدأ من أجل البقاء فيها.
كيف تطرحون العقيدة والوطن وتضعونهما في كفّتين متعارضتين، وكأن الإنسان لا يستطيع أن يكون مؤمناً مخلصاً لوطنه في آن واحد؟ والحقيقة أن الإسلام لم يأتِ ليصنع أتباعاً للدول، بل جاء ليحرر البشر من العبودية، ويضع القواعد والأسس التي تقوم عليها حياة الإنسان وفق مبادئ الحق والعدل والكرامة.
ونحن الشيعة لا نحتاج إلى التضحية بالوطن كي نثبت تمسكنا بالعقيدة، ولا إلى التخلي عن العقيدة كي نثبت وطنيتنا. وكما قال سيد البلغاء علي عليه السلام “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق”. فلم يجعل في مدرسته، عليه السلام، حقوق الناس مصونة على أساس العقيدة وحدها، بل جعل للإنسان كرامته وحقوقه.
وكما قال الله تعالى في محكم كتابه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾.
فالعقيدة هنا تأمرنا بإقامة العدل حتى على أنفسنا، فكيف تتحول إلى مبرر للتبعية السياسية لأي جهة، أو لتقديم فروض الطاعة لدولة أجنبية على حساب حقوق أبناء الوطن؟
ومن سمح لهؤلاء مدّعي الثقافة بأن يرفعوا شعار الوطنية لتجريد الناس من عقائدهم، أو أن يطالبوهم بوضع إيمانهم خارج حدود وطنهم؟
المشكلة الحقيقية أن يصبح الانتماء المذهبي والسياسي غطاءً لظلم العباد والتفريط بمصالح البلد.
ثم إن اختزال هذه المكونات في مسميات طائفية، وتوجيه بوصلتها شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، إنما يزرع الانقسام الذي يريده من يطرحون هكذا متلازمة مزعومة، من نسج خيال هؤلاء التافهين. وإن دعواهم هذه لصنع مواطنة مزعومة وتثبيت دعائم الوطن ليست إلا هراءً لا طائل منه، لأنها تصنع الانقسام والتشرذم.
فالإنسان لا يُقاس بمذهبه بل بموقفه من سيادة بلده وحقوق شعبه واستقلال قراره.
والوطن بيت الجميع سواء أكانوا شيعة أم سنة أم مسيحيين، عرباً أم كرداً، أم من غيرهم من المكونات. نعم الوطن للجميع والعقيدة لا تمنع ذلك مطلقاً بل يمكن أن تكون من ركائز التمسك بالحق والعدل وصيانة كرامة الإنسان.
كان من المفترض أن تكتب أقلامكم المأجورة، وتطالبوا الناس بتأسيس وطن يتسع للجميع، يعيشون في كنفه أحراراً متحابين، بعيداً عن شعارات الوطنية الجوفاء.
ولسنا مضطرين إلى الاختيار بين محمد صلى الله عليه واله وسلم والوطن، ولا بين علي عليه السلام وكرامة الإنسان، ولا بين العقيدة والوطن أو السيادة. بل إننا نستلهم من سيرة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومبادئ رسالته أن العدل أساس الحكم، وأن كرامة الإنسان ليست حكراً على دين أو مذهب.
فالوطن لا تحميه تبعية مذهبية، ولا علمانية معادية للدين، وإنما تحميه دولة عادلة، ومواطنون متساوون، وعقيدة لا تُباع بالمال ولا تُشترى.
فهل يجوز، باسم الوطنية، أن نهين العقائد؟
يوسف السعيدي




