الخميس - 29 اكتوبر 2026

خطب مرصعة بالكلمات.. وبطون خاوية من الإنجازات…!

منذ ساعة واحدة
الخميس - 29 اكتوبر 2026

كندي الزهيري ||

 

 

حين يقف مسؤول أمام الكاميرات، ويتحدث بكل وقاحة عن “العدالة”، وكأنها إنجازٌ شخصي لحزبه أو منّةٌ يتفضّل بها على الشعب، أن كانت موجودة بالاصل ، يصبح من حقنا أن نسأله: أيُّ عدالةٍ تتحدث عنها يا سيادة المسؤول؟

وأيُّ ميزانٍ تقيس به أحوال الناس، وأنت تقف خلف جدارٍ من الحماية، وتحيط بك المواكب والسيارات المصفحة، بينما يقف المواطن البسيط وحيدًا أمام أعباء الحياة، لا يجد من يحميه من الفقر، ولا من ينصفه من الظلم، ولا من يسمع صوته حين تضيق به الأرض بما رحبت؟.

إذا كانت عدالتكم حقيقية، فلماذا كل هذه الحماية؟، ولماذا كل هذه الحواجز التي تفصلكم عن الناس؟ ، أهي ضرورات أمنية فحسب، أم أنها أصبحت صورةً تختصر المسافة الهائلة بين من (يحكمون ومن يُحكمون)؟.

نحن لا نعترض على حماية أي مسؤول تقتضيها الضرورة، ولكننا نعترض على أن تتحول المصفحات إلى رمزٍ لسلطةٍ تخشى الإقتراب من الناس، في الوقت الذي يُترك فيه المواطن لمواجهة مخاوفه اليومية، بلا ضماناتٍ حقيقية للعيش الكريم. والسؤال؛ الذي لا تستطيع الخطب المنمقة ولا الشعارات الحزبية أن تُسكتَه: [ لماذا يزداد الفقراء فقرًا، بينما تتضخم ثروات الأغنياء] ؟ ، ولماذا يظل المواطن يحسب حساب لقمة عيشه، ويترقب راتبه، ويستنزف دخله في متطلبات الحياة الأساسية، في حين تتسع الفجوة بينه وبين طبقةٍ سياسيةٍ ، يفترض أنها جاءت لخدمته وتمثيله؟ 

وأين تذهب ثمار الثروات الوطنية؟ ، ومن يتحمل مسؤولية اتساع التفاوت الإقتصادي، وتعثر الخدمات، وضياع الفرص، حين تصبح الوعود الإنتخابية أكثر حضورًا من النتائج الملموسة؟.

إن العدالة ليست كلمةً تُلقى أمام الكاميرات، ولا شعارًا يُرفع في المؤتمرات، ولا منشورًا دعائيًا تتباهى به الأحزاب أو التيارات السياسية . العدالة هي أن يجد الفقير حقه، وأن يحصل المواطن على خدمةٍ تليق بكرامته، وأن تتكافأ الفرص، وأن يُحاسَب المسؤول عن تقصيره كما يُحاسَب المواطن عن خطئه. أما أن تُختزل العدالة في خطابات السلطة، بينما تكشف حياة الناس عن واقعٍ مختلف، فذلك ليس دفاعًا عن العدالة، بل استثمارٌ سياسي في إسمها. يا سيادة المسؤول، ويا حزب المسؤول، ويا تيار المسؤول ، لا تطلبوا منا أن نحاكمكم وفق ما تقولون عن أنفسكم، بل دعونا نحاكم تجربتكم وفق ما يعيشه الناس. لا نريد أن نسمع كم مرة نطقتم بكلمة العدالة، بل نريد أن نرى أثرها في رواتب الفقراء، وحقوق العاملين، وفرص الشباب، وكرامة العوائل، ومحاسبة الفاسدين. فالمناصب مؤقتة، والامتيازات زائلة، والتاريخ لا يحفظ الشعارات بقدر ما يكشف الفارق بين الكلام والفعل.

أما نحن، فلا نريد عدالةً تُفصَّل على مقاس الأحزاب والتيارات ، والهواء الزعامات ، ولا ميزانًا يميل حين يكون المتهم صاحب نفوذ، ويشتد حين يكون ضعيفًا لا سند له. نريد عدالةً لا تميّز بين مسؤولٍ ومواطن، ولا تجعل الإنتماء الحزبي حصانةً من المحاسبة، ولا تجعل الفقر تهمةً يُعاقَب عليها صاحبه مرتين: مرةً بحرمانه من حقوقه، ومرةً بإجباره على تصديق خطابات من لم يشعروا بمعاناته.

وإن عجزت موازين السياسة عن إنصاف المظلومين، فهناك ميزانٌ لا تنفع عنده المصفحات، ولا تحمي صاحبه المناصب، ولا تشفع له الشعارات: ميزان عدالة السماء. هناك لا تُقاس قيمة الإنسان بما يملك من سلطة، ولا بما يحيط به من حاشية، بل بما قدّم من حق، وما أقام من عدل، وما ارتكبه من ظلم. فانتظروا عدالة الله عز وجل ، يا من تتحدثون بإسم العدالة، ولنرَ عندها مَن كان أعدل: مَن رفع شعار الإنصاف، أم مَن أنصف الناس فعلًا؟.

كندي الزهيري…