(المردانة) تفتح نافذة أمل..!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

أحياناً، لا نحتاج إلى حدث كبير كي نستعيد ثقتنا بالمستقبل؛ فقد تكفي مصادفة عابرة مع شاب طموح لتعيد ترتيب أفكارنا وتمنحنا نافذة جديدة للأمل، في طريقي صادفت الطالب محمد، من طلبة المرحلة الثانية في قسم علوم الحياة (البايولوجي) بجامعة بغداد، وكان يحمل علبة زجاجية بداخلها حشرة تُعرف شعبياً في العراق بإسم «المردانة» أو «الصرصور».
إستوقفني المشهد، فسألته عن سبب إحتفاظه بالمردانة؟!، فأجابني بإهتمام أنها عينة يدرسونها ويتعرفون على أعضائها وخصائصها، وأنها قد تحمل أضراراً، لكن دراستها قد تكشف أيضاً عن فوائد علمية تستحق البحث.
لم تكن الحشرة هي ما لفت إنتباهي بقدر ما لفتني حماس محمد وإهتمامه بتخصصه، رأيت أمامي شاباً لا يتعامل مع الدراسة بإعتبارها محاضرات وإمتحانات وشهادة ينتظر الحصول عليها، بل بوصفها فرصة للتعلم والإكتشاف، غادرت ذلك اللقاء وأنا أفكر بمستقبل العراق.
لطالما ساورني القلق من تعقيدات الواقع السياسي والإقتصادي، ومن الأسئلة الكثيرة التي تفرض نفسها على كل من يتطلع إلى غد أفضل لهذا البلد، لكن محمد أعاد إلى ذهني حقيقة مهمة: العراق لا يُختصر في أزماته، فهناك شباب يمتلكون الطموح، وينتظرون الفرصة ليحولوا علمهم إلى إنجاز.
ومن هنا، أوجه رسالتي إلى طلبة الجامعات والمعاهد العراقية، الحكومية والأهلية: لا تجعلوا شهاداتكم الجامعية مجرد أوراق مؤطرة على الجدران، ولا تجعلوا سنوات الدراسة مجرد طريق للحصول على لقب خريج أو إنتظار فرصة تعيين، إجعلوا من تخصصاتكم أدوات لبناء مستقبلكم وخدمة مجتمعكم ووطنكم.
نحن ندرك أن التعيين حق مشروع، وأن توفير فرص العمل مسؤولية أساسية تقع على عاتق الدولة، لكن مستقبل الخريج لا ينبغي أن يبقى مرهوناً بوظيفة ينتظرها لسنوات، فإلى جانب السعي للحصول على وظيفة، يستطيع الطالب أن يفكر منذ أيامه الجامعية في مشروع صغير، أو فكرة بحثية، أو تطبيق عملي، أو خدمة يحتاجها المجتمع ضمن مجال تخصصه.
طالب علوم الحياة يستطيع أن يطور فكرة بحثية بالتعاون مع أساتذته ومختبرات جامعته، وطالب الزراعة يستطيع أن يبحث عن حلول لمشكلات الإنتاج والمياه، وطالب الحاسوب يستطيع أن يطور تطبيقاً يخدم الناس، وخريج الإدارة أو الهندسة أو غيرهما يستطيع أن يحول ما تعلمه إلى مشروع يبدأ بإمكانات بسيطة ثم يتوسع مع الخبرة والنجاح.
وهنا تبرز أهمية الجانب العملي والمختبري في التعليم؛ فالمعرفة النظرية، مهما بلغت قيمتها، تحتاج إلى تطبيق وتجربة حتى تتحول إلى مهارة منتجة.
وقد تبدأ الفكرة بإمكانات متواضعة، لكنها مع التخطيط والتدريب والإصرار يمكن أن تفتح باب رزق لصاحبها، وتوفر فرصة عمل لغيره، وتقدم خدمة حقيقية للمجتمع.
لسنا نقول إن كل خريج يستطيع تأسيس مشروع فور تخرجه، أو إن المشروعات الفردية بديل عن مسؤولية الدولة في توفير الوظائف، إنما نقول إن العلم يجب ألا يبقى حبيس الكتب، وإن الجامعات ينبغي أن تكون حاضنات للأفكار والإبتكار، لا محطات تمنح الشهادات فحسب.
أيها الطلبة، أنتم مسؤولون عن مستقبلكم، وعن إستثمار سنوات دراستكم، وعن تحويل ما تتعلمونه إلى قيمة نافعة لكم ولعائلاتكم، وأنتم أيضاً جزء من مسؤولية بناء عراق جديد، لا يكتفي بإمتلاك الشهادات، بل يصنع بها المعرفة والإنتاج والفرص.
أما محمد، ذلك الشاب الذي حمل حشرة داخل علبة زجاجية، فقد ذكّرني بأن أبواب الإكتشاف قد تبدأ من أبسط الأشياء، وأن العقل الذي يسأل ويبحث ويتعلم هو عقل قادر على صنع الفرق.
قد لا يكون محمد قد إكتشف شيئاً جديداً بعد، لكنه يمتلك بداية مهمة: الشغف بالمعرفة، وإذا وجد هذا الشغف بيئة تحتضنه، وجامعة تشجعه، ومجتمعاً يقدّر العلم، فقد يتحول يوماً إلى إنجاز يخدم العراق.
ومن هنا أقول: إن مستقبل العراق لا تصنعه السياسة وحدها، بل تصنعه أيضاً عقول الشباب، ومختبرات الجامعات، وأفكار الطلبة، والمشروعات التي تبدأ صغيرة ثم تكبر بالعلم والعمل.
فربما كانت تلك العلبة الزجاجية الصغيرة نافذة رأيت من خلالها أملاً كبيراً؛ أملاً بأن عراق المستقبل يمكن أن يُبنى بعقول أبنائه، حين يؤمنون بأن قيمة الشهادة ليست في الحصول عليها، بل فيما يستطيعون أن يحققوه بها.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




