الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026
منذ ساعتين
الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

 أمين السكّافي ||

 

 

 

ي غيابات الجب، كانت فلسطينُ تُنادى ولا يجيبها أحد،
صوتها العالق بين جدران الحقد العربي، يتردّد كأنينٍ قديمٍ من نبيٍّ منسيٍّ في قاعٍ بعيد.
ألقتها إخوتها في بئرٍ من الصفقات والخذلان،
وقالوا: “نرتاح منها قليلًا”،
ثم عادوا يتباكون على أطلالها كأنهم لم يخطّوا طريق السقوط بأنفسهم.

كانت كيوسف… جميلة القسمات، مدهشة الحضور،
غير أن جمالها أثار في القلوب غيرةَ الممالك،
فبيعت بثمنٍ بخسٍ في أسواق السياسة،
وتناوب على جلدها تجّارٌ يعرفون كيف يخلطون الدم بالنفط ،
وكيف يصوغون الخيانةَ في قوالب من بياناتٍ رسميةٍ باردة.

في الجبّ، لم تكن وحدها،
كانت حولها وجوهُ الأطفالِ الذين لم يكبروا،
وأحجارُ البيوت التي صارت رمادًا،
وكانت تسمع من فوقها وقع أقدام إخوتها يبتعدون،
وبين كل خطوةٍ وخطوةٍ، تنهيدةُ أمٍّ فقدت بيتها،
وصوتُ مؤذنٍ مبحوحٍ ينادي: “حيّ على القدس”، ولا مجيب.

لكن كما كان ليوسف من رحمةٍ تأتي من البئر ذاتها،
كان لفلسطين أحرارٌ من أطراف الأرض،
ينزلون إليها بحبالٍ من الإيمان والعزم،
يريدون انتشالها لا لمصلحةٍ ولا لغنيمة،
بل ليغسلوا عن وجوههم غبار الصمت.
هم الذين ما باعوا، ولا ساوموا، ولا خشوا بطش الملوك.

كم كان الجبّ عميقًا،
لكن الأعمق منه كان صبرها.
وكم كانت العيون تنظر إليها من بعيدٍ وتقول: “ضاع الحلم”،
لكنّ الحلم فيها كان أقوى من الموت نفسه.

هي اليوم ما زالت في الجبّ،
غير أن جدرانه بدأت تتشقّق،
تحت مطر الإيمان وبروق الوعي.
الذين ألقوها فيه يوشك أن يغرقوا في ظلامهم،
والذين شدّوا الحبال إليها يزدادون نورًا وعلوًّا.

ستخرج فلسطين كما خرج يوسف،
بثوبٍ أضفى عليه اللهُ جمالًا من صبره،
وعطرًا من دماء أحبّته.
وحين تخرج،
سيعرف إخوتها أن البئر لم تكن لعنتها… بل امتحانهم هم،
وأنها ما غابت لتُنسى، بل لتُخلّد.

في غيابات الجبّ،
ما زال الحلم يرفع رأسه كقمرٍ لم يفقد نوره،
وفي عيون الأحرار،
يوسفٌ آخر… اسمه فلسطين.