عصا الوطن وبحر النجاة في فلسفة معمارية الاستراتيجية للحشد الشعبي..!
عمار محمد طيب العراقي ||

حين يقف التاريخ عند المنعطفات الكبرى التي تعصف بالأمم، يستحضر الوعي الإيماني مشاهد النجاة الإلهية التي خلدها القرآن الكريم وكأنها تتجدد في كل عصر بهيئة تناسب زمانه. وحين سأل الحق جل وعلا نبيه الكليم: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾، لم يكن السؤال عن ماهية تلك الخشبة البسيطة، بل كان سؤاله عن أقرب شيء إلى يده، وهو ما اعتاده حتى كفّ عن رؤيته، ليكون تمهيداً لإظهار كيف يصنع الله من الأبسط والأصدق معجزةً تقلب موازين القوى. فالأمم التي تنكر ضعفها لا تجد عصاها، والتي تعترف به تكتشف أن بين يديها ما لم تحسب له حساباً، إذ لا تأتي المعجزة من خارج الإنسان، بل تنبثق من المألوف حين يُسلَّم لمشيئة أعلى.
وفي لحظة عصيبة من تاريخ العراق الحديث، حين أطبق الظلام على مدنه وسقطت الدولة كفكرة في الوعي قبل أن تتراجع حدودها على الأرض، وزحفت جحافل التكفير كطوفان ينفي الإنسان والتعدد والذاكرة ويوشك أن يبتلع المقدسات، برزت في يمين الوطن ومرجعيته “عصا موسى” المتمثلة بالحشد الشعبي. انطلقت هذه القوة في بداياتها بإمكانيات مادية متواضعة، بيد أنها حملت عقيدة راسخة وإخلاصاً صادقاً، فلم تكن القوة في الخشب بل في الإذن الذي حرّكه، إذ صارت اليد التي تمسكها تعرف لماذا تمسكها، فتحولت بأمر الله إلى معجزة ميدانية تلقّفت ما يأفكون وأبطلت سحرهم الأسود.
وللعصا في الآية المباركة وظائف متكاملة تجلت بوضوح في مسيرة الحشد؛ فكانت أولاً «أتوكأ عليها» ممثلةً في الركيزة والثبات الذي اتكأ عليه العراق حين مالت به العواصف وعزّ النصير فمنع انهياره وحفظ الكيان من السقوط. وكانت ثانياً «أهشّ بها على غنمي» ممثلةً في اليد الحانية والحصينة والرحيمة التي تحمي الشعب وتصون كرامته وتدفع الأذى عن القرى والمدن لتعيد الطمأنينة إلى الأرض بعد أن كادت تيبس من الخوف؛ بل وتجاوز دورها ساحات الوغى لتلبي نداء المستضعفين، وتكون خادماً للزائرين، وحارساً للحدود، ومساهماً في البناء والاستقرار في كل ميدان يحتاج فيه الوطن إلى رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
أما الوظيفة الثالثة المتمثلة في قوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾، فقد بقيت سراً مكنوناً في ضمير الغيب وعلم الله وراسخي العقيدة، تماماً كما أجملها موسى الكليم ولم يفصّلها. فهي المهام المؤجلة والأدوار الاستراتيجية الكامنة التي لم يُكشف عن وجهها بعد، والمدّخرة لما قد تلدُه الأيام من خطوب وملاحم كبرى، لأن من يسمّي مآربه يحصرها ومن يتركها في الغيب يُبقي المستقبل حراً، لتبقى هذه القوة عصيةً على الإحاطة، حاضرةً لمفاجآت الزمان متى ما اقتضت المشيئة الإلهية أن تُلقى فتتلقف كل إفكٍ جديد.
والإلقاء أول أسرار العصا؛ إذ ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾، فما دام موسى يتكئ عليها فهي خشبة، وحين يلقيها امتثالاً تصير حقيقةً حية، لأن الإنسان لا يجد قوته الكبرى إلا حين يتخلى عن الاعتماد على ما بيده ويسلّمه لما هو أعلى منه. وحين تواجه العصا حبالاً وعصياً كثيرة يخيل إلى الناس من سحرها أنها تسعى، يتبين أن البطلان كثرة في الظاهر تقوم على التخييل، وأن الحق وحدة في الجوهر تقوم على الحقيقة التي تبتلع الإفك لتفضح البنيان القائم على الوهم دون إسقاط للأجساد، بل ليُلقى السحرة سجداً وينكشف النور للجميع.
ومع اشتداد المعركة وبلوغ القلوب الحناجر، تجلى المشهد القرآني الآخر بكل هيبته وعظمته: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. لقد كان الإرهاب بحراً متلاطماً من الفتنة والدماء، وكان عبوره درساً خالداً في أن الفعل يسبق الوضوح؛ فلم ينفلق البحر حتى ضُرب، ولم يُضرب إلا بيقين من لم يرَ الطريق بعد، إذ يدخل الجسد في الماء قبل أن ينفتح، لتكون التضحية شرط انكشاف النجاة الجماعية التي لا ينجو فيها طرف بدم آخر. وارتدّ موج الهلاك ليبتلع فراعنة العصر وجنود الخرافة في نفس الأرض التي أرادوا استعبادها، فالطغيان يحمل في بنائه ما يهدمه، وفرعون يغرق دائماً فيما ظنّه سنده، ووقف العالم ينظر إلى نهاية الطغاة وهم يغرقون في وحل هزيمتهم.
لكن في الآية سرّاً أخيراً يحكم هذه المسيرة؛ فالعصا التي تسعى معجزةً قد تسعى خطراً إن خرجت من موضعها، إذ المعجزة والخطر وجهان لمادة واحدة، وما يفصل بينهما هو موضع اليد لا طبيعة الخشب. فالقوة الأصيلة هي التي تدرك أنها عصا لا يد، وأن مكانها اليمين أي الأمانة والمرجعية والوطن، وما دامت في اليمين كانت سنداً ونجاةً، وإن استقلت عنها صارت سؤالاً مفتوحاً، ليبرز التحدي المؤسسي الواعي في ضمان القيادة والتحكم وتكامل الهياكل التنظيمية والعملياتية والتقنية ضمن معمارية مؤسسية رصينة تحفظ ألق المسيرة وتنتقل بها من معجزة التعبئة الظرفية إلى المأسسة المستدامة. ويبقى المعنى الأعمق خالداً: أن أعظم ما في العصا أنها تعرف تماماً من يمسكها، لتظل شاهداً حياً على أن يد الله فوق أيديهم، وأن في يمين هذا الوطن قوةً إذا استند إليها لم يسقط، وإذا ضرب بها البحرَ انفلق نجاةً ونصراً، ووراءها من المآرب المخبوءة ما يرهب به الله عدوه وعدوهم إلى حين.
شكراً
٢٠٢٦/١٠/٢٧




