إصبع على الجرح.. مظاهرات تشرين قيد الترقين..!
الكاتب والباحث في الشأن السياسي منهل عبد الأمير المرشدي ||

وجاء الإيعاز والمدد فخرج المتظاهرون بما تهافتوا من عدد وكانت التظاهرات حيث عاد مشهد تشرين في ساحة التحرير على وقع وعد قديم يتجدد كلما شاء أصحاب الوعد، ليس من أجل أن يصبح الناس صوتا للمطالب الحق إنما هو صدى للضوضاء والفوضى .
لم تُرفع رايات حقوق تلامس احتياجات المواطن او تمسح جبين الوطن المثخن بالجراح مثل إعادة سعر صرف الدولار إلى طبيعته أو الحفاظ على سيادة العراق المهانة في سمائه وأرضه ومياهه .
لم نسمع من يطالب بتعديل سلم الرواتب بما يليق بكرامة العامل والموظف ومكافحة الفساد الذي طال كل مفصل في الدولة .
لم نسمع من يطالب بإلغاء امتيازات الرئاسات والنواب والدرجات الخاصة وسقف الرواتب الخيالية او الغاء جيوش الحماية لهم ورواتب التقاعد للسحت الحرام ومواكبهم وقصورهم التي تحوّلت إلى جزر معزولة عن معاناة الناس .
هذا هو أصل الحراك المفترض حين يكون عفويا نقيا وحين تكون الساحة مرآة للمأساة اليومية لا واجهة لاستثمارها من فراعنة تحرك الخيوط من خلف الستار .
مظاهرات بات معلوما من هم الذين روجوا لها ومن دعا ومن ساهم بنشرها على الهواء مباشرة ؟ ومن هم الذين حوّلوا الحدث من ملفّ لمطالب الناس إلى مادة شعارات مؤدلجة على لسان حال الحضن العربي المتعفّن تُدار بالريموت من خلف الحدود ؟
لا يهمّنا في هذا المقال أن نضع أسماء على ورق فهناك من لا يحتاج إلى إعلان نفسه يكفي أن ترصد مسار الفكرة في الهواء .
يكفي أن تقارن بين ما كان ينبغي أن يُقال وما قيل .
يكفي أن تلاحظ انتقال البوصلة من الاقتصاد إلى المهاترات ومن الحقوق إلى الاستفزازات ومن صلب المعاناة إلى لافتات لا تُشبه حتى وجوه بائسة تحملها .
نعرف من اختطف الإيقاع أو من أعاد تأليف المشهد وبدّل المحتوى . بدل أن نسمع في الساحة أصوات تطالب بإصلاحات عملية وجدناها تتناسى كل المفاسد والمشاكل والنواقص ليعلو صوت من ينعق انه لا يريد كهرباء ولا ماء ولا حتى رواتب .. انه لا يريد كل شيء وكل ما يريده هو (إيران برّه برّه !!!) . لماذا إيران ؟؟ لست ادري ؟؟ ألأنها تواجه العدوان الصهيو أمريكي دفاعا عن كرامتنا وكرامة الأعراب النائمة أم لأنها تمنح الغاز للعراق لتشغيل الكهرباء بدون حساب !!!!
لكنه مطلب البيت القصيد والبث مباشرا على الهواء على قنوات الشرقية واخواتها والعربية واذنابها .!!!! نعم شعار يُشبه قفلة تُغلق باب النقاش في عقول مستحمرة وأفواه مأجورة .
شعارات تصلح لافتتاح مناسبة خطابية مستنسخة من تشرين الأولى مؤطرة بأشباح وجوه كانت حاضرة في منصات الإعتصام التي كان شعارها ( جيناك يا بغداد) والزحف الى كربلاء .. كم تمنينا ان تكون في شوارعنا مظاهرات تطالب بمكافحة جدّية للفساد الذي نخر مؤسسات الدولة وصار وباء في نفس كل موظف ومسؤول صغر أم كبر الا ما رحم ربي بدلا من هذا التهريج والفوضى التي لا تغني من جوع ..
هنا يتجلى الفرق بين مظاهرة تُعبر عن ألم الناس ومظاهرة تُستخدم لتصفير عقولهم وتحويلها من مطالبة بالحقوق وإنصاف الناس إلى عدوى وفوضى وفقدان للهيبة والإحساس ؟ من يستطيع أن يجعل المتظاهرين ينسون ما خرجوا لأجله ؟ من ينجح في تحويل الغضب إلى اتجاه يخدم حسابات غير حسابات الغالبية ؟
إنها ليست مجرد صدفة أن يتحوّل الخطاب عن مطالب الإصلاح إلى شعارات سريعة الاستهلاك ولا أن تتحول الساحة من منبر مطالب إلى مسرح استعراض تافه وسفيه .
إنها إن لم تكن عملية اختطاف فكر فحسب انما هي على الأقل قيد يُلبس للمشهد من الخارج ومن الداخل قيد الحشو وقيد التلقين وقيد العجز عن تسمية الداء باسم الدواء . لقد رقّنت المظاهرة كما رقّن من خطط لها ومن دعا لها. .
صارت بلا لون وبلا طعم وبلا رائحة سوى روائح التوجيه والاستخدام حتى لو لبست ثوب العفوية. لقد تحولت المظاهرة إلى طاقة بلا وجهة ومؤشرا يتم توجيهه بالكونترول ليجعل من تلك المطالب مظاهرات تشرين قيد الترقين تُدار لتُسكت العقول لا لتُنقذها وهي كما رأيناها اليوم أقرب إلى نسخة مُفرغة المحتوى بلا قرار.




