الاثنين - 26 اكتوبر 2026

حسابات القاهرة في دعم السعودية..!

منذ ساعتين
الاثنين - 26 اكتوبر 2026

د. طالب الشوكة ||

 

 

لا تقوم العلاقة بين مصر والسعودية على الاعتبارات السياسية وحدها، بل تتشابك عبر مصالح اقتصادية وأمنية مصيرية تجعل أي تطور إقليمي موضع اهتمام مباشر وعميق لدى العاصمتين. ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم أي تحرك عسكري مصري محتمل تجاه السعودية بمعزل عن الظروف الاقتصادية التي تمر بها القاهرة، وعن مكانة المملكة بوصفها ركيزة أساسية للأمن القومي المصري. تدرك القاهرة جيداً أهمية استقرار المملكة، لكنها تدرك بالقدر نفسه أن الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها، خصوصاً إذا امتدت نيران الصراع إلى اليمن أو البحر الأحمر. فمصر تعيش تحديات اقتصادية هيكلية تتعلق بالديون والحاجة الملحة للتمويل، وفي ظل حرصها على حماية استقرارها عبر الاستثمار والتعاون التجاري، تظل واعية لضرورة الحفاظ على التضامن العربي وأمن الخليج.
تتخذ الدول قراراتها الكبرى وفق الحسابات الاقتصادية المجردة، وحدها بل تبعاً لمعادلة توازن بين المكاسب والمخاطر. ومن هنا، تبدو مشاركة مصر بدعم دفاعي محدود خياراً عقلانياً للحفاظ على الشراكة الاستراتيجية وتعزيز الحضور الإقليمي؛ فأمن الخليج مرتبط عضوياً باستقرار المنطقة، وأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب يمس مباشرة حركة التجارة وقناة السويس التي يُعد أي اضطراب فيها عبئاً إضافياً على الاقتصاد المصري. لكن هذا لا يعني التورط العسكري المباشر؛ فهناك بدائل استراتيجية أوسع نطاقاً، مثل التنسيق الأمني، وتبادل المعلومات، وتعزيز القدرات الدفاعية، والتعاون الدبلوماسي. فليس كل تحدٍ أمني يتطلب حرباً لمعالجته.
عندما يُطرح احتمال مشاركة قوات مصرية في صراع مرتبط باليمن، تقفز إلى الذاكرة فوراً تجربة الستينيات ومشاركة الجيش المصري في حرب اليمن دعماً للجمهوريين ضد الملكيين. لقد أدت تلك التجربة إلى استنزاف بشري ومادي هائل في بيئة جغرافية معقدة، مما جعلها درساً حاضراً بقوة في الذاكرة الاستراتيجية المصرية حول مخاطر التدخل العسكري خارج الحدود في صراعات طويلة متعددة الأطراف. وهناك فارق مهم بين إرسال قوات للدفاع عن أراضي دولة حليفة، وبين الانخراط في حرب داخل دولة أخرى لحساب طرف على حساب آخر. غير أن المعضلة تكمن في أن المهام العسكرية ذات الحدود الواضحة غالباً ما تتغير طبيعتها على الأرض تحت وطأة الهجمات المباشرة أو اتساع أهداف العمليات، ليصبح الانسحاب خياراً شديد الكلفة سياسياً وعسكرياً. بين استقلال القرار وخيار الاستنزاف تطرح هذه المعطيات سؤالاً محورياً: كيف تستطيع القاهرة حماية علاقتها الاستراتيجية والاقتصادية مع الرياض من دون الوقوع في فخ المواجهة الواسعة؟ إن التعاون الاقتصادي قد يساعد في تخفيف الأعباء، لكنه وحده لا يستطيع ضمان نجاح التدخل العسكري أو تعويض خسائره البشرية وتداعياته الداخلية. ومن هذا المنطلق، تميل مصر نحو خيار الدعم المحدود الذي يحقق أهدافاً استراتيجية محددة شرط ألا يتحول إلى التزام مفتوح يصعب احتواؤه. ولكن الحسابات قد تتبدل إذا تعرضت القوات المشاركة لاعتداءات أودت بحياة جنود، مما يضع القيادة أمام ضغوط تتعلق بهيبة الجيش ومصداقية الردع. وهنا تكمن الدوامة: فالرد المحدود قد يتطلب رداً آخر، ليجد الطرف نفسه أمام صراع يصبح الخروج منه أصعب بكثير من قرار الدخول فيه.
في النهاية، لا يكمن التحدي أمام مصر في إثبات قدرتها العسكرية، بل في تحديد الثمن الذي تستطيع دفعه، والخط الأحمر الذي لا يجب تجاوزه. إن حفظ التحالفات لا يعني بحال التخلي عن استقلال القرار الوطني، كما أن الالتزام تجاه الحلفاء لا يلغي ضرورة تقدير الكلفة. وخطر المستقبل لا يتمثل في تكرار تجربة الستينيات بحذافيرها، بل في الوقوع أمام استنزاف جديد بأدوات مختلفة، ينتهي إلى المعضلة ذاتها: حرب تبدو محدودة في بدايتها، لتكتشف الدولة لاحقاً أن باب الخروج منها قد أُغلق بإحكام.