المقاومة وخطر إسرائيل الوجودي.. الجزء الأول: من أسطورة الجيش الذي لا يُقهر إلى ولادة المقاومة..!
أمين السكافي ||

لم تكن إسرائيل، منذ قيامها عام 1948، مجرد دولة أُقيمت على أرض فلسطين، بل مشروعاً سياسياً وعسكرياً أُريد له أن يفرض نفسه على المنطقة بقوة السلاح، وأن يجعل التفوق العسكري الإسرائيلي حقيقة راسخة في الوعي العربي، قبل أن يكون حقيقة في ميادين القتال. فالدولة التي امتلكت الدعم الغربي، وفي مقدمته الدعم الأميركي، لم تكتفِ بتوسيع حدودها، بل سعت إلى تكريس معادلة أخطر: أن تبقى إسرائيل قوية بما يكفي لردع جيرانها، وأن يبقى العرب أسرى الخوف من مواجهتها.
من العصابات إلى الدولة العسكرية
لم يولد الجيش الإسرائيلي من فراغ. فقد سبقت قيام الدولة تشكيلات مسلحة صهيونية، أبرزها الهاجاناه والإرغون وشتيرن، التي أدّت أدواراً متفاوتة في الصراع على فلسطين، وارتبط بعضها بعمليات إرهابية ومجازر بحق الفلسطينيين، قبل أن تشكّل هذه التنظيمات أحد روافد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية الناشئة.
وجاء وعد بلفور عام 1917 ليمنح المشروع الصهيوني دعماً سياسياً بريطانياً حاسماً، قبل أن يتحول الصراع إلى حرب مفتوحة انتهت بإعلان قيام إسرائيل عام 1948، وتهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين في النكبة.
منذ ذلك التاريخ، أدركت القيادة الإسرائيلية أن بقاء الدولة لا يتوقف على امتلاك القوة وحدها، بل على تحويل هذه القوة إلى أداة نفسية وسياسية. فالهزيمة العسكرية لا تُقاس بعدد القتلى والخسائر فقط، وإنما بما تتركه في نفوس الشعوب من شعور بالعجز، وبما تفرضه على حكوماتها من حسابات الخوف والتراجع.
وهكذا، لم يكن المطلوب أن تنتصر إسرائيل في كل معركة فحسب، بل أن يعتقد خصومها مسبقاً أن مواجهتها مغامرة خاسرة، وأن التسوية بشروطها أقل كلفة من مقاومتها.
من عدوان 1956 إلى هزيمة 1967
جاء العدوان الثلاثي عام 1956، الذي شاركت فيه إسرائيل وبريطانيا وفرنسا ضد مصر، ليكشف طبيعة التحالفات التي أحاطت بالدولة العبرية، فيما مثّل صمود مصر سياسياً، وانتهاء العدوان تحت ضغط دولي، دليلاً على أن القوة العسكرية ليست وحدها صاحبة الكلمة الأخيرة.
لكن حرب حزيران 1967 شكّلت الضربة الأشد للوعي العربي. ففي ستة أيام، هُزمت جيوش عربية، واحتلت إسرائيل سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان السوري. ولم تكن الخسارة جغرافية وعسكرية فقط، بل نفسية أيضاً؛ إذ ترسخت لدى قطاعات واسعة من العرب صورة إسرائيل المتفوقة التي تستطيع حسم الحروب بسرعة، وفرض شروطها على المنطقة.
غير أن هذه الصورة لم تكن قدراً تاريخياً.
في حرب تشرين الأول 1973، عبر الجيش المصري قناة السويس، وحطّم أجزاء من خط بارليف، ونجح الجيش السوري في تحقيق اختراقات على الجبهة الشمالية. وأثبتت الأيام الأولى للحرب أن الجندي العربي قادر على القتال والانتصار حين تتوافر الإرادة والتخطيط والاستعداد.
لكن تطورات المعركة اللاحقة، ولا سيما الثغرة التي عُرفت باسم ثغرة الدفرسوار، ثم عبور القوات الإسرائيلية إلى الضفة الغربية للقناة ومحاصرة الجيش الثالث المصري، أعادت خلط الأوراق العسكرية والسياسية. واستطاعت إسرائيل أن تستثمر نتائج الميدان لتحدّ من الأثر الاستراتيجي والنفسي للعبور المصري، على الرغم من أنه أسقط جانباً مهماً من أسطورة التفوق الإسرائيلي المطلق.
لبنان: الطريق إلى ولادة المقاومة
بعد أن اعتادت إسرائيل نقل المعركة إلى أراضي خصومها، لم يعد لبنان بمنأى عن مشروعها العسكري. ففي آذار 1978، اجتاحت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان ووصلت إلى مناطق جنوب نهر الليطاني، ثم جاء الاجتياح الأكبر في حزيران 1982، حين تقدمت القوات الإسرائيلية حتى بيروت، في واحدة من أخطر محطات الصراع العربي الإسرائيلي، ووصلت إلى عاصمة عربية للمرة الأولى في هذا السياق من المواجهة المباشرة.
كان المشهد بالغ القسوة: بيروت تحت الحصار والقصف، والاحتلال يتمدد، والدولة اللبنانية عاجزة عن حماية أرضها، فيما كان الفلسطينيون يدفعون أثماناً هائلة، وتعيش شرائح واسعة من اللبنانيين بين الخوف والتهجير والدمار.
لكن التاريخ كثيراً ما يخبئ في قلب الهزيمة بذور التحول.
من تلك اللحظة، أخذت تتشكل بيئة مقاومة جديدة، ساهم فيها الاحتلال الإسرائيلي، والاعتداءات المتكررة، والاجتياح، والشعور بأن لبنان تُرك وحيداً في مواجهة آلة عسكرية متفوقة. وفي هذا المناخ، برز حزب الله، الذي تأسس في مطلع الثمانينيات، مستنداً إلى عقيدة دينية وسياسية، وإلى دعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي قامت عام 1979، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع.
لم يكن التحول أن قوة عسكرية جديدة ظهرت فحسب، بل أن إسرائيل واجهت خصماً لا يقيس المعركة بموازين الطائرات والدبابات وحدها، وإنما بالإرادة، والقدرة على الاستنزاف، والاستعداد لتحمل الخسائر، ومنع الاحتلال من تحويل تفوقه العسكري إلى سيطرة سياسية دائمة.
ومن هنا بدأ التحدي الحقيقي لأسطورة الجيش الذي لا يُقهر.
فإذا كانت إسرائيل قد نجحت، على مدى عقود، في إخضاع جيوش عربية أو هزيمتها في حروب تقليدية، فإن المقاومة في لبنان أخذت تطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا يحدث حين تواجه القوة العسكرية المتفوقة قوةً عقائدية تعرف الأرض، وتستمد شرعيتها من مقاومة الاحتلال، ولا تمنح العدو نصراً سياسياً بمجرد تقدمه العسكري؟
ذلك هو السؤال الذي فتح باب مرحلة جديدة في المنطقة؛ مرحلة لم يعد فيها التفوق الإسرائيلي ضمانة كافية لتحقيق الأهداف، ولم يعد فيها الاحتلال مرادفاً للاستقرار.
وهنا تبدأ الحكاية التي ستتناولها الأجزاء التالية: كيف تحولت المقاومة من رد فعل على الاحتلال إلى معادلة استراتيجية، ولماذا باتت إسرائيل تنظر إلى تنامي قدرات حزب الله، واتساع دور إيران وحلفائها، بوصفه تحدياً يتجاوز حدود لبنان إلى مستقبل الأمن الإسرائيلي وموقع الدولة العبرية في المنطقة.




