الغرب يتآكل من الداخل.. حين تنقلب استراتيجية الهيمنة على صانعيها..!
د. محمد عباس البطاط / الباحث بالقانون الدولي و حقوق الإنسان.

لم تكن المشاريع التي استهدفت تفتيت الوحدة العربية والإسلامية مجرد أحداث متفرقة في تاريخ الصراعات الدولية، بل جاءت ضمن سياق أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة، وإضعاف الكتل القادرة على منافسة الهيمنة الغربية، وإبقاء القرار الدولي ضمن منظومة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية. غير أن التاريخ يحمل مفارقة متكررة: الأدوات التي تُستخدم لإضعاف الخصوم قد تتحول، مع تغير الظروف، إلى عوامل تفكك داخل المعسكر الذي صنعها
و إن العالم اليوم لا يقف أمام أزمة عابرة في العلاقات الدولية، بل أمام مرحلة تتآكل فيها قواعد القيادة الأحادية، وتتعارض فيها المصالح بين الحلفاء، وتظهر فيها حدود القوة الأمريكية في فرض إرادتها على الجميع. وما كان يُقدَّم بوصفه وحدة استراتيجية للغرب بات يواجه أسئلة جوهرية حول من يقود، ومن يدفع الثمن، ومن يحصد المكاسب.
أولاً: من تفكيك الخصوم إلى تصدع الحلفاء
اعتمدت الاستراتيجية الغربية، في مراحل متعددة، على منع تشكل قوى إقليمية ودولية قادرة على بناء استقلالها السياسي والاقتصادي والعسكري. وفي هذا السياق، تعرضت المنطقة العربية والإسلامية لصراعات وتدخلات وانقسامات أضعفت قدرتها على إنتاج مشروع استراتيجي موحد، ولكن التحولات الدولية الراهنة تكشف أن الانقسامات لا تبقى محصورة في الأطراف المستهدفة؛ فالتنافس على الأسواق والطاقة والتكنولوجيا وممرات التجارة بدأ يضغط بدوره على العلاقات بين الدول الغربية. وكلما ازدادت كلفة الحفاظ على النفوذ، ظهرت التناقضات التي كانت تخفيها الشعارات المشتركة.
فالولايات المتحدة تريد المحافظة على موقعها القيادي، بينما تسعى الدول الأوروبية إلى حماية اقتصاداتها وأمنها ومصالحها الاستراتيجية. وهنا يبدأ السؤال الصعب: ماذا يحدث عندما تصبح كلفة القيادة الأمريكية أعلى من المكاسب التي يجنيها الشركاء الأوروبيون؟
ثانياً: أوكرانيا والطاقة وإعادة توزيع الأعباء
أظهرت الحرب في أوكرانيا حجم الترابط بين الأمن الأوروبي والحسابات الأمريكية، كما كشفت الأعباء الاقتصادية والسياسية التي تتحملها أوروبا نتيجة استمرار الصراع. فالأزمات العسكرية لا تُقاس بنتائج الميدان وحدها، وإنما بما تتركه من آثار في أسعار الطاقة، والقدرة الصناعية، والإنفاق الدفاعي، والاستقرار الاجتماعي.
وفي الوقت الذي تحاول فيه أوروبا تعزيز أمنها، تواجه تحدياً يتمثل في تحقيق التوازن بين اعتمادها على المظلة الأمريكية وحاجتها إلى قرار مستقل. وهذا التناقض قد يتحول إلى خلاف استراتيجي كلما اختلفت تقديرات واشنطن والعواصم الأوروبية بشأن كلفة الصراع ومدته والنتائج المطلوبة منه.
إن القضية ليست افتراض وجود مخطط أمريكي موحد لإضعاف أوروبا، بل فهم أن تضارب المصالح قد يؤدي إلى نتائج لا تتطابق مع الأهداف المعلنة للتحالفات، وأن الدول الكبرى قد تحقق مكاسب في جانب بينما يتحمل شركاؤها تكاليف أكبر في جوانب أخرى.
ثالثاً: ترامب وكشف التصدعات الغربية
إن التحولات في الخطاب السياسي الأمريكي، ولا سيما المطالب المتعلقة بتقاسم أعباء الدفاع والتجارة والالتزامات الأمنية، تضع العلاقات عبر الأطلسي أمام اختبار حقيقي. فحين تطالب واشنطن حلفاءها بزيادة الإنفاق وتحمل مسؤوليات أكبر، فإنها تدفع أوروبا إلى إعادة تقييم طبيعة اعتمادها الاستراتيجي عليها.
وقد لا تؤدي هذه الخلافات إلى انهيار حلف شمال الأطلسي، لكنها تكشف أن التحالف ليس كتلة متجانسة، وأن المصالح الوطنية تظل قادرة على تجاوز الشعارات المشتركة عندما تتصاعد الضغوط.
وهنا تظهر المفارقة: قد تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز نفوذها عبر الضغط على حلفائها، لكن الإفراط في الضغط قد يدفع هؤلاء إلى البحث عن بدائل، وتطوير قدراتهم المستقلة، وتقليص اعتمادهم على القرار الأمريكي.
رابعاً: إيران وممرات الطاقة وحدود القوة
تؤكد أهمية مضيق هرمز وممرات الطاقة أن الجغرافيا لا تزال عنصراً حاسماً في معادلات القوة الدولية. فالدول التي تمتلك موقعاً مؤثراً في طرق التجارة والطاقة تستطيع التأثير في حسابات القوى الكبرى، حتى عندما تكون الفوارق العسكرية والاقتصادية كبيرة.
وقد برهنت المواجهات الإقليمية على أن التفوق العسكري لا يضمن وحده تحقيق الأهداف السياسية، وأن الضغط قد يفتح مسارات جديدة للاستنزاف بدلاً من فرض التسوية المطلوبة.
ومن هنا، فإن محاولات احتواء إيران أو الضغط عليها لا يمكن فصلها عن انعكاساتها على أسواق الطاقة وأمن الملاحة وحسابات أوروبا الاقتصادية. فكل تصعيد يهدد إمدادات الطاقة يضع العواصم الأوروبية أمام معادلة معقدة بين التزاماتها السياسية ومصالحها الاقتصادية.
خامساً: الصين وتراجع القدرة على احتكار القرار الدولي
في المقابل، تمثل الصين تحدياً استراتيجياً طويل الأمد للولايات المتحدة، ليس بسبب قوتها الاقتصادية وحدها، بل لقدرتها على توسيع حضورها الصناعي والتكنولوجي والتجاري وبناء علاقات دولية متعددة المسارات.
إن انشغال الولايات المتحدة بأكثر من جبهة استراتيجية يفرض عليها توزيع مواردها واهتماماتها، فيما تجد أوروبا نفسها مطالبة بالتعامل مع نتائج التنافس الأمريكي–الصيني، سواء في التجارة أو التكنولوجيا أو سلاسل الإمداد.
ولا يعني ذلك أن الصين ستستفيد تلقائياً من كل خلاف غربي، لكنه يوضح أن الانقسامات بين الحلفاء تمنح المنافسين مساحة أوسع للمناورة، وتحد من قدرة أي قوة على توحيد القرار الدولي وفق إرادتها المنفردة.
سادساً: هل تكون الحرب الأوروبية–الأوروبية القادمة؟
إن المقصود بالحرب الأوروبية–الأوروبية ليس بالضرورة مواجهة عسكرية مباشرة بين الدول الأوروبية، بل صراعاً متصاعداً على المصالح والنفوذ والاستقلال الاستراتيجي. فقد يبدأ هذا الصراع في الأسواق، وفي سياسات الطاقة والدفاع، وفي الخلاف حول العلاقة مع واشنطن، قبل أن يظهر في صورة أزمات سياسية أكثر عمقاً.
وإذا عجزت أوروبا عن بناء رؤية مشتركة تحمي مصالحها، فقد تتحول التباينات الداخلية إلى عامل يضعف الاتحاد الأوروبي ويحد من قدرته على اتخاذ قرارات مستقلة. أما إذا نجحت في تحويل هذه التناقضات إلى مشروع للاستقلال الاستراتيجي، فقد تعيد صياغة علاقتها بالولايات المتحدة على أساس أكثر توازناً.
إن التحولات الكبرى لا تبدأ دائماً بإعلان القطيعة، بل تتشكل تدريجياً عندما تتباعد المصالح، وتتراجع الثقة، ويصبح كل طرف أكثر اهتماماً بحساباته الخاصة من اهتمامه بمستقبل الشراكة.




