الأحد - 25 اكتوبر 2026

المخدرات والإتجار بالبشر في العراق حين تتغذى الجريمة المنظمة على الفساد والبطالة وضعف الرقابة..!

منذ 3 ساعات
الأحد - 25 اكتوبر 2026

د. مروة عبد الرحمن عبد الله ||
مركز الرقيب للدراسات والبحوث

 

 

تثير جرائم المخدرات والإتجار بالبشر في العراق إشكالية سياسيةتتجاوز حدود المسؤولية الأمنية إلى طبيعة إدارة الدولة للحدودوالاقتصاد والرقابة المؤسسية فاستمرار هذه الأنشطة يفرض مراجعةكفاءة السياسات الحكومية في مواجهة الجريمة المنظمة ومدى قدرتهاعلى كشف شبكات التمويل والتهريب والجهات المستفيدة منها.

إن الخطأ في إدارة هذا الملف يبدأ عندما تقاس النتائج بعدد المعتقلينوالمضبوطات دون تحليل البنية الاقتصادية للجريمة فالاعتقالات قدتعطل نشاط شبكة معينة لكنها لا تكشف بالضرورة عن مصادرتمويلها أو ارتباطاتها أو قدرتها على إعادة تنظيم نفسها ولذلك فإنالمؤشر الحقيقي لنجاح الدولة هو تفكيك الشبكات ومصادرة عائداتهاوإغلاق المنافذ التي تستغلها

وتبرز هنا ثلاثة اختلالات تستوجب المعالجة السياسية:

أولها ضعف التكامل بين المؤسسات المسؤولة عن الحدود والمنافذوالرقابة المالية إذ إن تعدد الجهات دون وضوح المسؤولية يخلق ثغراتيمكن استغلالها في التهريب وغسل الأموال ويجعل تحديد المسؤوليةعن الإخفاقات أكثر تعقيداً.

وثانيها مخاطر الفساد والتواطؤ الإداري فالشبكات المنظمة قد تسعىإلى شراء الحماية أو تسهيل مرور أنشطتها عبر استغلال النفوذوالرشوة وهو ما يتطلب تحقيقات مستقلة تتجاوز المنفذين المباشرينإلى كل من يثبت تورطه في التمويل أو التسهيل أو تعطيل الإجراءاتالقانونية.

أما الاختلال الثالث فيرتبط بالسياسات الاقتصادية وسوق العملفالبطالة واتساع النشاط غير الرسمي وضعف الرقابة على مكاتبالتشغيل والاستقدام توفر ظروفاً قد تستغلها شبكات الاتجار بالبشرلاستدراج الضحايا عبر فرص عمل وهمية أو علاقات تشغيل غيرقانونية كما يمكن استغلال الفئات الهشة في أنشطة مرتبطة بتجارةالمخدرات.

ولا يعني ذلك وجود ارتباط تنظيمي ثابت بين شبكات المخدراتوالاتجار بالبشر فلكل جريمة بنيتها وأساليبها لكن احتمال التقاطعفي غسل الأموال والتهريب والاستغلال يفرض على الدولة اعتمادتحقيقات مشتركة عندما تظهر أدلة على هذه الروابط بدلاً من التعاملمع كل قضية بمعزل عن الأخرى.

أما البعد السياسي الأكثر حساسية فيتعلق بقدرة الدولة على إخضاعالمصالح الاقتصادية ومراكز النفوذ للقانون فوجود تشريعات لمكافحةالمخدرات والاتجار بالبشر وغسل الأموال لا يكفي ما لم تقترن بإنفاذمستقل يمنع التدخل في التحقيقات ويضمن وصول المساءلة إلىالمستفيدين الحقيقيين من النشاط الإجرامي.

وفي هذا السياق ينبغي أن ينتقل دور البرلمان من مناقشة الظاهرة بعدوقوع الجرائم إلى الرقابة على نتائج السياسة الحكومية من خلالاستضافة الجهات المعنية ومراجعة أداء المنافذ الحدودية ومتابعةإجراءات مكافحة غسل الأموال وتقييم تنفيذ الاستراتيجية الوطنيةلمكافحة الاتجار بالبشر.

كما يتطلب الملف مراجعة العلاقة بين السياسة الأمنية والسياسةالاقتصادية لأن تشغيل الشباب وتنظيم سوق العمل وحماية الفئاتالمعرضة للاستغلال ليست إجراءات اجتماعية منفصلة بل أدوات وقائيةتقلل فرص استغلال الحاجة الاقتصادية من قبل الشبكات الإجرامية.

وعلى المستوى الإقليمي فإن موقع العراق ضمن مسارات التجارةوالعبور يفرض تعزيز تبادل المعلومات والتعاون القضائي مع الدولالمجاورة وملاحقة حركة الأموال والشبكات العابرة للحدود مع عدمالاكتفاء بضبط الشحنات بعد دخولها الأراضي العراقية.

ومن الناحية التنفيذية فإن معالجة هذه الاختلالات تستوجب تحديدجهة تنسيقية مسؤولة عن متابعة الملف مع الحفاظ على الاختصاصاتالقانونية للمؤسسات وتقديم تقرير نصف سنوي إلى مجلس الوزراءوالبرلمان يتضمن عدد الشبكات المفككة وقيمة الأموال المصادرة ونتائجالتحقيقات المالية والأحكام القضائية النهائية وحالات حماية ضحاياالاتجار بالبشر ونتائج برامج علاج الإدمان.

ويجب أن تتضمن هذه التقارير مؤشرات تقيس فاعلية الإجراءات لامجرد حجم النشاط الأمني لأن زيادة المضبوطات قد تعكس تحسنالكشف أو اتساع حركة التهريب ولا تكفي وحدها للحكم على نجاحالسياسة الحكومية.

إن جوهر المشكلة السياسية يتمثل في الفجوة بين وجود المؤسساتوالتشريعات وبين القدرة على تحويلها إلى نتائج قابلة للقياسوالمحاسبة ولذلك فإن أي إصلاح جاد ينبغي أن يبدأ بمراجعةصلاحيات الجهات المعنية وتحديد المسؤوليات ومنع تضاربالاختصاصات وإخضاع شبهات الفساد لتحقيقات قضائية مستقلة.

إن المطلوب من الحكومة ليس إعلان حرب جديدة على المخدراتوالاتجار بالبشر بل تقديم إجابة مؤسسية واضحة عن ثلاثة أسئلة منيمول هذه الشبكات وكيف تتحرك أموالها وما الإجراءات التي تمنعاستغلال النفوذ والفساد لتسهيل أنشطتها.

فما لم تتحول الإجابة عن هذه الأسئلة إلى إجراءات قانونية ورقابيةومالية محددة ستبقى الدولة منشغلة بملاحقة الجرائم المكتشفة دونضمان تفكيك البنية التي تسمح باستمرارها.