السبت - 24 اكتوبر 2026

ما وراء الخبر في العراق: كيف تتشكّل قناعات الجمهور ومن يوجّه وعيه..!

منذ ساعتين
السبت - 24 اكتوبر 2026

كندي الزهيري ||

 

 

 

ليس السؤال الحقيقي في العراق: كيف يتلقى المواطن الخبر الصحفي؟ ، بل لماذا يثق مواطنٌ بخبرٍ واحد، ويشكك في آخر، رغم أن كليهما قد يستند ظاهرياً إلى الوقائع نفسها؟ ، هنا تبدأ المسألة من خارج حدود الصحافة، لتدخل إلى بنية المجتمع العراقي، وذاكرته السياسية، وتجربته مع السلطة، وشعوره بالأمان، وعلاقته بالحقيقة.

فالمواطن لا يستقبل الخبر بعقلٍ منفصل عن حياته، وإنما يقرأه من خلال منظومة متراكمة من التجارب والمخاوف والانتماءات والتوقعات. لقد تشكّل الوعي العراقي المعاصر في بيئة شهدت تحولات سياسية حادة، وحروباً وأزمات إقتصادية وصراعات إجتماعية، وتبدلات متكررة في الخطاب الرسمي. وفي مثل هذه البيئة، لا يعود الخبر مجرد معلومة عن حدثٍ وقع، بل يتحول إلى إشارة محتملة لما قد يحدث لاحقاً، وإلى محاولة لفهم موازين القوى، وتحديد الرابح والخاسر، واستشراف انعكاس الأحداث على حياة الفرد ومستقبل أسرته.

لذلك، قد يتابع المواطن تصريحاً سياسياً لا بحثاً عن مضمونه المعلن وحده، بل سعياً إلى اكتشاف ما يخفيه، وما إذا كان يمهد لقرار أو تسوية أو أزمة جديدة.

غير أن هذه الحساسية السياسية، على أهميتها، تحمل مفارقة خطيرة؛ فالمواطن الذي تعلّم ألّا يمنح الخطاب الرسمي ثقته كاملة، قد يصبح في المقابل، أكثر استعداداً لتصديق (رواية بديلة)، لأنها تعارض الرواية التي يشك فيها. وهنا تنتقل الشكوك من كونها أداة للتحقق إلى “موقف مسبق” يحدد الحقيقة قبل فحص الأدلة.

فليس كل ما تنفيه السلطة كذباً بالضرورة، وليس كل ما يتهمها به خصومها حقيقة، كما أن كثرة تداول الخبر لا تمنحه شرعية معرفية. إن أخطر ما يمكن أن يصيب الوعي العام هو: أن يتحول الشك من وسيلة لاكتشاف الحقيقة إلى عقيدة مغلقة لا تقبل مراجعة ما تؤمن به. وفي المجتمع العراقي، لا يمكن فصل إستقبال الخبر عن البنية الإجتماعية والانتماءات السياسية والمذهبية والمناطقية، ولا عن تأثير العائلة والأصدقاء والجماعات الرقمية.

فقد لا يتعامل بعض المتلقين مع الخبر وفق قوة مصادره وأدلته، بل وفق مدى انسجامه مع تصوراتهم السابقة، أو مواقف الجماعة التي ينتمون إليها. وعندئذٍ، يصبح الخبر المؤيد للموقف المسبق أكثر قابلية للتصديق والمشاركة، بينما يُقابل الخبر المخالف بالتشكيك أو الرفض، حتى قبل التحقق منه.

وهذه ليست سمة عراقية حصرية، لكنها تكتسب في العراق حساسية إضافية عندما تتداخل الهوية الإجتماعية ، مع الاستقطاب السياسي والمنافسة على النفوذ والموارد.

أما وسائل التواصل الإجتماعي، فقد أعادت توزيع النفوذ داخل البيئة الإعلامية؛ إذ لم يعد المواطن متلقياً ينتظر نشرة الأخبار، بل أصبح ناشراً ومعلقاً ومفسراً، وأحياناً مصدراً لخبر لم يتحقق منه.

لقد اختصرت المنصات المسافة بين (الحدث والجمهور)، لكنها اختصرت أحياناً المسافة أيضاً بين الانطباع والحكم، وبين الإدعاء والتصديق. وتمنح العناوين الصادمة والمقاطع المجتزأة والرسائل المثيرة للغضب فرصاً واسعة للانتشار، لأن المحتوى الذي يستفز العاطفة قد يتقدم على المحتوى الذي يحتاج إلى التمهل والتحليل.

وهكذا، يمكن أن تسبق الرواية الأكثر إثارة الرواية الأكثر دقة، لا لأنها أقوى دليلاً، بل لأنها أسرع في إستثمار الإنفعال.

لكن تحميل المواطن وحده مسؤولية التضليل ، يمثل قراءة ناقصة للمشكلة. ” فالمؤسسة الصحفية” تتحمل مسؤولية مهنية مباشرة، في بناء الثقة أو تقويضها؛ عندما تخلط الخبر بالرأي، أو تستخدم عناوين مضللة، أو تنشر اتهامات بلا أدلة كافية، أو تتعامل مع التصحيح باعتباره انتقاصاً من مكانتها، فإنها تضعف رصيدها لدى الجمهور.

كما أن تضارب المصالح والارتباطات السياسية لبعض المؤسسات، قد يدفع المتلقي إلى التساؤل عن الجهة المستفيدة من نشر الخبر، بدلاً من الإكتفاء بالسؤال عن صحته.

غير أن معرفة المستفيد المحتمل لا تثبت وحدها أن الخبر كاذب؛ إنها نقطة تستدعي التحقيق، لا نتيجة تغني عنه.

ومن هنا، فإن استعادة الثقة الإعلامية في العراق، ليست مشروعاً دعائياً هدفه إقناع المواطن بتصديق الصحافة، بل مشروع مؤسسي يقوم على الشفافية، وإظهار المصادر، والفصل الواضح بين الوقائع والتحليلات، وتصحيح الأخطاء علناً، وإتاحة المجال للروايات المتعددة ضمن معايير مهنية واحدة.

وفي المقابل، يحتاج الجمهور إلى اكتساب مهارة التحقق الرقمي، ومقارنة المصادر المستقلة، وفحص تاريخ النشر وسياقه، وعدم إتخاذ سرعة المشاركة بديلاً عن دقة الفهم.

إن الرهان الاستراتيجي لا يكمن في إنتاج مواطن يصدق كل ما يقرأ، ولا في مواطن يشك في كل ما يسمع، بل في بناء مواطن يمتلك القدرة على (تعليق حكمه حتى تتضح الأدلة) .

فالمجتمع الذي يصدق بلا تحقق يصبح قابلاً للاستغلال، والمجتمع الذي يرفض كل حقيقة مخالفة لمواقفه يصبح عاجزاً عن مراجعة نفسه.

وبين هذين الطرفين تتحدد جودة الوعي العام، وتتحدد قدرة الدولة والمجتمع على إتخاذ قرارات عقلانية. إن معركة (الخبر الصحفي) في العراق، ليست معركة على انتباه المواطن وحده، بل على استقلال حكمه العقلي.

فمن ينجح في توجيه ما يراه المواطن، وكيف يفسره، ومَن يثق به، يستطيع أن يؤثر في مواقفه حتى من دون أن يفرض عليه موقفاً بصورة مباشرة.

ولهذا، فإن حماية الحقيقة تبدأ من صحافة تعرف حدود مسؤوليتها، ومواطن يعرف حدود يقينه، وبيئة عامة لا تجعل الإنتماء بديلاً عن الدليل. فحين تصبح الهوية بديلاً عن الحقيقة، لا يعود الخبر نافذةً على الواقع، بل يصبح مرآةً يرى كل طرف فيها ما يريد أن يراه.

كندي الزهيري…