السبت - 24 اكتوبر 2026

عراق بلا وصي ـ الحلقة الثالثة: عراق على قيد الحياة..!

منذ 3 ساعات
السبت - 24 اكتوبر 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

بقاء الجسد لا يكفي لإعلان العافية

سأل فولر (محلل أمريكي سابق في الاستخبارات المركزية) قبل ثلاثة عقود: هل يبقى العراق حتى عام 2002؟ مرّ 2002 ثم مرّ 2003 وما بعده بأكثر من عشرين سنة، ولا يزال هناك عراق بعلمه وحدوده وعملته وبرلمانه وجيشه. بحرفية السؤال، الجواب: نعم، بقي.

لكن الجواب الأدق أصعب. فقد مرّ هذا البلد بحرب أهلية طائفية دامية، وسقط جزء كبير من أرضه بيد تنظيم الدولة (داعش)، وشهد احتجاجات واسعة وفراغات طويلة في تشكيل الحكومات. ومع ذلك لم ينقسم ولم يختفِ. عاش على ثلاث ركائز: النفط الذي يموّل الدولة، والانتخابات التي تعطي النظام حداً أدنى من الشرعية، وقدرة المجتمع على استعادة التوازن بعد الصدمات.

فهل يبقى؟ أرى أن الاحتمال الأرجح هو نعم، يبقى دولةً معترفاً بها، ولا يتفتت. السبب أن أطراف الداخل والخارج جميعها تجد في بقاء الكيان مصلحة، فلا أحد يريد تكلفة الانهيار الكامل. وكلما كانت الصورة العامة مستقرة نسبيًا، قلّت الحاجة إلى مغامرة جديدة.

لكن السؤال الأهم هو: أي دولة تبقى؟ هنا أضع ثلاثة مؤشرات سيتوقف عليها المستقبل.

المؤشر الأول هو الريع. دولة تعتمد على سعر برميل واحد تظل رهينة له. وكلما تضخمت الرواتب والوظائف العامة وصارت الدولة أكبر موظِّف، ضاق الهامش أمام أي هبوط طويل في الأسعار. وأنا نفسي أحد موظفي هذه الدولة، وأعرف أن الاعتماد عليها ليس عيباً في الأفراد، بل في طريقة بناء الاقتصاد.

المؤشر الثاني هو الجيل. هناك جيل ولد بعد 2003 ولا يملك ذاكرة النظام السابق ولا يعيش على حنين المظلومية. لا يسأل من أين جاءت الحكومة، بل ماذا تقدم له. وهذا الجيل هو الاختبار الحقيقي لأي نظام: إن وجد له مكانًا فسينضم إلى الدولة، وإن لم يجد فسيبحث عن طرق أخرى.

المؤشر الثالث هو الماء والسلاح. ماء دجلة والفرات يتراجع بفعل المناخ وسياسات دول المنبع، وسلاح خارج الدولة يعني أن للقرار الوطني شركاء لم ينتخبهم أحد. وحين تضعف الدولة أمام هذين الملفين، يصعب أن تتحدث عن سيادة كاملة.

أما أمريكا وبريطانيا فلم تعودا تحلمان بهندسة ديمقراطية. أظن أن حساباتهما صارت أكثر تواضعاً: استقرار، وتدفق نفط، وعدم عودة الإرهاب، وتوازن مع إيران. أي أنهما تريدان عراقاً يمكن التعامل معه، لا عراقاً يُعاد تصميمه. وهذا يترك للعراقيين مساحة أكبر، ومسؤولية أكبر.

وفي الختام أعود إلى فرضية الحلقات كلها. رأى المنظّر الأمريكي أن الأغلبية يجب أن تحكم، ورأى البريطاني أن الأقلية أقدر على الإدارة. وبين الرأيين جرّب العراق عقوداً من الوصاية بأشكال مختلفة: وصاية انتداب، ثم وصاية حزب، ثم وصاية احتلال، ثم وصاية شبكات ونفوذ. وتعلّم أن الذي يجعل الدولة دولة ليس عدد من يحكمها ولا مذهبهم، بل أن تكون قواعدها أقوى من أشخاصها وأحزابها. لم يمت العراق، وهذا جواب سؤال فولر. أما السؤال الأثقل الذي يبقى بعده فهو: هل يستطيع هذا البلد أن يكون وصياً على نفسه، بقانون يحكم الجميع، فيصير عراقاً بلا وصي حقاً؟