السبت - 24 اكتوبر 2026

هل تورطت وعلقت واشنطن بين باب المندب وهرمز؟!

منذ ساعتين
السبت - 24 اكتوبر 2026

الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

 

في كثير من الاحيان تكون نتيجة التهور ان هذا المتهور وكل من يقف خلفه سوف يضطرون الى دفع ثمنا غاليا ، وهذا الشيء ينطبق على واشنطن والتي حاولت اكثر من مرة ان تجرب حظها مع طهران ومع محور المقاومة ، لكن ما حصل وهذا ما تنقله وسائل اعلامهم دمار كبير في القواعد والمنشات ونفاذ معظم الذخائر ولاسيما المتعلقة بالاسلحة الدفاع الجوي وقتلى وجرحى ومعاقين بدرجة ان الحكومة لا تستطيع ان تخفيها او تتستر عليها ، وايضا كل من دعمهم من عربان الخليج باتوا يتوسلون طهران ومحور المقاومة ان يوقفوا الضربات وذلك لحجم الدمار الذي لحق باقتصادهم والذي بات يهدد عروشهم

نعم، وجدت واشنطن نفسها متورطة بعمق بين مضيق باب المندب ومضيق هرمز في إطار معادلة أمن بحري إقليمية بالغة التعقيد، حيث تتحول هذه الممرات المائية الحيوية إلى ساحات استنزاف استراتيجي للقدرات الأمريكية.
الاشتباك المزدوج: تجد القوات الأمريكية نفسها محاصرة بين حماية حركة الملاحة الدولية في باب المندب في مواجهة التهديدات اليمنية، وإدارة الردع الاستراتيجي المباشر وغير المباشر في مضيق هرمز في ظل التوترات مع إيران وأذرعها الإقليمية.
حروب الاستنزاف والتكلفة الاقتصادية: أسفر هذا التورط عن كلفة عملياتية ضخمة؛ إذ تستنزف الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن (مثل باتريوت وإس إم-2 وإس إم-6) مقابل طائرات مسيرة وذخائر رخيصة الصنع، مما يضع المؤسسة العسكرية الأمريكية أمام معضلة كفاءة التكلفة.
معضلة الردع والاحتواء: أظهرت العمليات في البحر الأحمر وخليج عمان محدودية استراتيجيات الردع التقليدية في منع الهجمات غير المتناظرة، مما دفع واشنطن نحو مقاربة “الدفاع النشط” التي تعيق الانخفاض المستدام للتصعيد.
التداعيات الجيوسياسية الكبرى: يتيح هذا التورط لقوى دولية منافسة مثل الصين وروسيا مراقبة القدرات الأمريكية عن كثب والاستفادة من انشغال واشنطن بأمن الممرات، فضلاً عن تقويض الثقة الدولية في استقرار السلاسل التجارية العالمية المعتمدة على هذه الشرايين الاستراتيجية.

تفكيك التورط الأمريكي بين هرمز وباب المندب: قراءة في الأبعاد العملياتية والاستراتيجية
يمثل التواجد العسكري الأمريكي الممتد من مضيق باب المندب جنوب البحر الأحمر إلى مضيق هرمز في خليج عمان والخليج العربي معضلة استراتيجية كبرى لواشنطن. تكمن هذه المعضلة في كتم انفجار حرب الملاحة وتأمين الشرايين البحرية للتجارة العالمية، مقابل الوقوع في فخ الاستنزاف وتشتيت التركيز عن مسارح التنافس الاستراتيجي الأكبر في Indo-Pacific.
1. معضلة جغرافية المسرح المزدوج (Dual-Front Chokepoint Dilemma)
تعمل الولايات المتحدة في بيئتين بحريتين متباينتين ومختلفتين كلياً على الصعيد العملياتي:
باب المندب والبحر الأحمر (حرب حافة الساحل وغير المتناظرة):
طبيعة التهديد: هجمات بالاستخدام الروتيني للزوارق المسيرة، الطائرات المسيرة الرخيصة، والصواريخ الباليستية والمجنحة المضادة للسفن.
التحدي العسكري: غياب أهداف عسكرية ثنائية تقليدية لضربها؛ فالأعداء المحتملون اعتمدوا منصات إطلاق متحركة ومخفية، مما يجعل التفوق الجوي والأمن البحري التقليدي محصوراً في موضع الدفاع المستمر دون تحطيم القدرة الهجومية للطرف الآخر كلياً.
مضيق هرمز والخليج العربي (الردع المباشر والمواجهة مع إيران):
طبيعة التهديد: شبكة متكاملة تشمل الألغام البحرية البحرية المتطورة، الزوارق السريعة، الغواصات الصغيرة، الصواريخ الساحلية، والاحتجاز المباشر للسفن.
التحدي العسكري: القرب الجغرافي للشرق الأوسط من الساحل الإيراني الممتد يجعل القطع البحرية الأمريكية الضخمة (كحاملات الطائرات وررسمات Aegis) ضمن مدى نيران أرضية مكثفة، مما يحد من حرية الحركة والمناورة الاستراتيجية.
2. التكلفة العملياتية وأزمة “اللا تماثل الاقتصادي”
أدى التورط المستمر إلى إبراز حدة اللا تماثل بين تكلفة الهجوم وتكلفة الدفاع:
الوجهالطرف المهاجم / الخصمالولايات المتحدة والتحالف البحري
التكلفة المالية للمقذوف$10,000 – $50,000 (طائرة مسيرة / صاروخ بدائي)$2,000,000 – $4,000,000 (صاروخ اعتراض مثل Standard Missile-2/6)
مخزون الذخيرةقدرة عالية على الإنتاج المحلي وتوريد خطوط رخيصةاستهلاك سريع لمخزون الصواريخ الاعتراضية الدقيقة
الضغط التشغيليإطلاق متباعد وبجهد رخيصجاهزية رادارية واستنفار 24/7 لقطع بحرية بمليارات الدولارات
نتيجة عملياتية: هذا الاستنزاف لا يرهق ميزانية البنتاغون فحسب، بل يستنزف المخزون الاستراتيجي للصواريخ الاعتراضية المخصصة أساساً لمواجهة أي نزاع محتمل في شرق آسيا (تحديداً مضيق تايوان).
3. أزمة مفهوم الردع البحري (Deterrence Decay)
شهدت هذه المواجهات تراجعاً واضحاً في نجاعة أدوات الردع التقليدية:
محدودية الضربات الاستباقية: الضربات الجوية والصاروخية ضد المنصات الساحلية ومخازن الذخيرة في اليمن أو المقرات التكتيكية الإيرانية أثبتت عدم قدرتها على تحقيق إغلاق كامل للتهديد، مما أجبر واشنطن على التحول إلى موقف defensive posture (موقف دفاعي دائم) بدلاً من الحسم السريع.
تشتت التواجد الأسطولي: يتطلب تأمين الخط الممتد من البحر الأحمر عبر خليج عدن وباب المندب وصولاً إلى خليج عمان ومضيق هرمز نشر عدة مجموعات قتالية ضاربة (Carrier Strike Groups)، مما يفرض ضغطاً كبيراً على جدول صيانة السفن وجداول انتشار البحارة.
4. التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى
[ الركائز الجيوسياسية للتورط الأمريكي ]
│
┌────────────────┴────────────────┐
▼ ▼
[المستوى الجيو-اقتصادي] [المستوى الجيو-استراتيجي]
– ارتفاع كلفة التأمين البحري – تفكك نموذج حماية التجارة الأحادية
– تغيير مسارات الملاحة (رأس الرجاء) – استفادة القوى المنافسة (الصين/روسيا)
– تذبذب أسواق النفط والغاز – إشغال القدرات البحرية الأمريكية
العبء الاقتصادي العالمي:
دفع خطر النيران البحرية شركات الملاحة إلى اتخاذ طريق رأس الرجاء الصالح بدلاً من قناة السويس وباب المندب، مما أضاف 10 إلى 14 يوماً لكل رحلة، وزاد من تكاليف الوقود واستهلاك الطاقة والتأمين البحري.
في مضيق هرمز، أدى القلق الدائم على ناقلات النفط والغاز إلى زيادة الهامش السعري للمخاطر في سوق الطاقة العالمية.
استفادة القوى المنافسة:
الصين: تستفيد بكين من إشغال الولايات المتحدة عسكرياً ومالياً في الشرق الأوسط، في حين تستمر في تعزيز تواجدها الاقتصادي والتجارية ودبلوماسيتها في المنطقة، مع مراقبة أداء وتكتيكات الأنظمة الدفاعية الأمريكية.
روسيا: ترى في التورط الأمريكي فرصة لتبديد انتباه واشنطن وتأخير وتيرة الدعم والتجهيز العسكري الموجه لمناطق أخرى في العالم.
خلاصة التورط الاستراتيجي
تجد الولايات المتحدة نفسها في “فخ الالتزام المفتوح”:
لا تستطيع الانسحاب وتترك هذه الممرات المائية الحيوية تحت سيطرة وتأثير القوى الإقليمية الخصمة لما في ذلك من ضربة لهيبتها وتأثير مباشر على اقتصاد حلفائها، ولا تستطيع في الوقت نفسه حسم المعركة عسكرياً بطريقة جذريّة دون الدخول في مواجهة واسعة النطاق ذات تكلفة سياسية واقتصادية غير مضمونة النتائج.