خلابيص عراقية..!
المحامي مجيد الكفائي ||

ليس اليوم ولا بالأمس بدأت الخلابيص السياسية في العراق، ولا هي وليدة النظام السياسي الذي أعقب عام 2003، بل يبدو أنها جزء من تاريخ سياسي طويل تتغير فيه الأنظمة والدساتير والأسماء بينما تبقى بعض العادات السياسية راسخة وفي مقدمتها البحث عن المناصب وتوزيعها حتى عندما لا تكون هناك حاجة حقيقية إليها.
والعراق لمن يراجع تاريخه السياسي لا تنقصه المفارقات. ففي كل مرحلة نجد حكاية تستحق أن تُروى ومشهدًا يصلح لأن يكون مادة للسخرية وقرارًا يثير سؤالًا بسيطًا:
هل تُنشأ المناصب لخدمة الدولة، أم تُنشأ الدولة أحيانًا لتستوعب رغبات أصحاب المناصب؟
من العهد الملكي إلى الجمهوريات المتعاقبة
في العهد الملكي الذي امتد من عام 1921 حتى عام 1958 تعاقب على رئاسة الحكومة عدد كبير من السياسيين وتكررت التغييرات الوزارية ودخلت البلاد في أزمات وصراعات بين القصر والكتل السياسية والنخب المتنافسة. وكانت الوزارة تتشكل ثم تسقط أو تستقيل ويأتي رئيس وزراء جديد وفي احيان تتدخل العشائر وشيوخها في هيجان ضد او مع رئيس وزراء معين وكأن المشكلة في كل مرة تكمن في اسم الرجل الذي يجلس على الكرسي لا في طبيعة الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد.
ولم يكن العراق آنذاك يعرف من الناحية الدستورية وجود رئيسين لمجلس الوزراء يمارسان السلطة نفسها في الوقت ذاته.
لكن المألوف في الحياة السياسية خلال العهد الملكي أن يتولى رئيس الوزراء السابق بعد إقالة حكومته منصب وزير الخارجية في الحكومة الجديدة ثم يُكلَّف هذا الوزير لاحقاً بتشكيل حكومة أخرى كما حدث مع نوري السعيد الذي ترأس حكومات عدة.
وهكذا فإن تعاقب الحكومات وكثرة الصراعات على تشكيلها لم يكونا ظاهرة طارئة على الحياة السياسية العراقية بل يكشفان أن أزمة الاستقرار السياسي وتنازع القوى على السلطة ليستا اختراعاً حديثاً وإنما لهما جذور تاريخية ممتدة في التجربة السياسية العراقية.
ثم جاءت ثورة 14 تموز 1958، وانتهى العهد الملكي وبدأت مرحلة الجمهورية الأولى التي سرعان ما دخلت في دوامة الانقلابات والصراعات على السلطة.
تعاقبت الوجوه والقيادات وارتفعت شعارات التغيير والإصلاح لكن الدولة ظلت تدفع أثمان الصراع على الحكم.
وفي شباط 1963 و 18 تشرين الثاني من العام نفسه شهد العراق انقلابين وتغييرات حادة في موازين السلطة.
وبعد ذلك توالت التحولات السياسية حتى استقر الحكم بيد البعث عام 1968، ثم دخل العراق مرحلة طويلة من الحكم الفردي تركزت فيها السلطات بدل أن تتعدد مراكز القرار رسميًا.
وفي تلك المراحل لم تكن المشكلة دائمًا في عدد المسؤولين بل في غياب المؤسسات القادرة على ضبط السلطة ومحاسبة أصحابها. فحين تضعف المؤسسة يصبح المنصب أقوى من القانون ويغدو الولاء أهم من الكفاءة .
بعد عام 2003: ديمقراطية بمقاعد كثيرة
بعد سقوط النظام السابق عام 2003، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة قائمة على الانتخابات والدستور والتعددية الحزبية.
وكان المفترض أن تؤسس هذه المرحلة دولة مؤسسات وأن يصبح المنصب العام مسؤولية دستورية لا مكافأة سياسية.
لكن الممارسة السياسية أفرزت نظامًا واسعًا من التوافقات والمحاصصة وصار تشكيل الحكومات في كثير من الأحيان مفاوضات طويلة لتوزيع الوزارات والمواقع العليا بين القوى السياسية.
ولم تعد المفاوضات تقتصر على اختيار رئيس الوزراء والوزراء بل امتدت إلى المناصب العليا والمستشارين والهيئات والمواقع التي تتنافس عليها القوى المختلفة.
وهكذا أصبح السؤال الذي يشغل السياسيين أحيانًا:
من يحصل على المنصب؟ لا ما الذي سيقدمه شاغل المنصب للعراق؟
وإذا اختلفت القوى على حقيبة وزارية أمكن التفاوض على منصب آخر. وإذا تعذر إرضاء طرف بموقع أمكن البحث عن موقع إضافي.
وإذا لم يتسع الهيكل الإداري للمطالب أمكن التفكير في توسيعه وكأن المشكلة ليست في كثرة المطالب بل في ضيق الهيكل!
نواب للرئيس… ونواب لرئيس الوزراء!
ومن هنا تبدأ الخلابيص التي يعرفها المواطن العراقي جيدًا.
رئيس جمهورية وإلى جانبه أكثر من نائب وعشرات المستشارين .
ورئيس وزراء وإلى جانبه نواب ومساعدون ومستشارون. ومؤسسات تتداخل اختصاصاتها أحيانًا بينما يبقى المواطن يبحث عن جهة واحدة يتحمل مسؤولها مسؤولية واضحة عن إخفاقها.
وللدقة، فإن الدستور العراقي لعام 2005 لا يمنع تعدد نواب رئيس الجمهورية فالمادة 69 تنص على تنظيم أحكام اختيار نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية بقانون.
كما أن وجود نواب لرئيس الوزراء ليس بحد ذاته دليلًا على مخالفة الدستور.
المشكلة التي تستحق النقاش هي ضرورة هذه المناصب وكلفتها على المال العام وحدود صلاحياتها وما إذا كانت تضيف كفاءة إلى الإدارة أم تضيف أعباءً إلى الموازنة.
وهنا يحق لأي مواطن أن يسأل:
إذا كان لدينا رئيس مسؤول عن إدارة الدولة فلماذا تتكاثر المواقع المحيطة به؟ وإذا كان لكل نائب اختصاص محدد فأين نتائج هذه الاختصاصات في حياة الناس؟
وإذا كانت هذه المناصب ضرورية فلماذا لا تُعلن للرأي العام مهامها ومؤشرات أدائها وكلفتها السنوية؟
إن الاعتراض ليس على تعدد المسؤولين لمجرد التعدد بل على التوسع في المناصب من دون ضرورة واضحة وعلى تحويل الوظيفة العامة إلى وسيلة للتسوية السياسية بدل أن تكون أداة لخدمة المجتمع.
الخلابيص ليست في الأسماء… بل في النتائج
ولكي لا نظلم التاريخ فإن تعدد الحكومات المتعاقبة في العهد الملكي والجمهوري ليس هو نفسه وجود حكومتين دستوريتين في وقت واحد.
كما أن تعدد نواب رئيس الجمهورية ليس مخالفة دستورية بمجرد حدوثه.
لكن المقارنة بين المراحل تكشف نمطًا يستحق التأمل:
تتبدل الأنظمة وتتغير القواعد وتختلف الشعارات بينما يظل السؤال عن العلاقة بين السلطة والمسؤولية سؤالًا مفتوحًا.
ففي العهد الملكي كانت هناك صراعات على تشكيل الوزارة واستقرارها.
وفي مراحل الجمهورية الأولى كان الصراع على السلطة يأخذ أشكالًا أكثر عنفًا وصلت إلى الانقلابات. وبعد عام 2003 أصبح التنافس على المواقع جزءًا من مفاوضات تشكيل الحكومات ضمن نظام تعددي يفترض أن تحكمه قواعد دستورية ومؤسسات رقابية.
الاختلاف كبير بين هذه المراحل، ولا يجوز وضعها جميعًا في سلة واحدة.
لكن القاسم المشترك الذي يستحق النقد هو أن المواطن قد يجد نفسه بعد كل هذه التحولات أمام سلطة واسعة المناصب فيما تبقى الخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية والإصلاح الإداري دون المستوى الذي ينتظره.
فما فائدة أن نزيد عدد المسؤولين إذا لم تزداد معهم مسؤولية كل واحد منهم؟ وما جدوى أن نمنح المنصب لقبًا جديدًا إذا بقيت المشكلة القديمة بلا حل؟
دولة أم شركة لتوزيع المناصب؟
المؤسف أن المواطن العراقي لا يقيس نجاح النظام السياسي بعدد نواب الرئيس ولا بعدد نواب رئيس الوزراء ولا بعدد المستشارين الذين تزين أسماؤهم أبواب المكاتب.
إنه يقيسه بالكهرباء التي تصل إلى بيته والماء الصالح للشرب والمدرسة التي يتعلم فيها أبناؤه والمستشفى الذي يعالجه وفرصة العمل التي تحفظ كرامته والقانون الذي يطبق على الجميع دون استثناء.
وحين يسمع المواطن عن خلاف سياسي حول منصب جديد يتساءل بسخرية مرة:
هل اكتملت مشكلات العراق كلها ولم يبقَ إلا أن نختلف على كرسي إضافي؟
وهل أصبح النجاح السياسي مرهونًا بإرضاء جميع الأطراف بالمناصب حتى لو لم تكن هناك حاجة إدارية حقيقية إليها؟
إن الدولة ليست شركة لتوزيع المقاعد وليست مجلسًا اجتماعيًا هدفه أن يخرج الجميع راضين من المفاوضات.
الدولة مؤسسات وقوانين وحقوق وواجبات وأي منصب لا يضيف قيمة حقيقية إلى عملها ينبغي أن يخضع للمراجعة لا أن يتحول إلى استحقاق دائم لمجرد أن طرفًا سياسيًا طالب به.
الخاتمة: متى تنتهي الخلابيص؟
العراق لا يحتاج إلى المزيد من الألقاب بقدر ما يحتاج إلى وضوح المسؤولية.
ولا يحتاج إلى تضخم المناصب بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات قوية، ورقابة حقيقية ومحاسبة لا تستثني أحدًا.
إن الإصلاح يبدأ حين يصبح السؤال عن المنصب مسبوقًا بالسؤال عن الحاجة إليه وحين تكون صلاحيات المسؤول واضحة وكلفته معلنة ونتائجه قابلة للقياس وحين يعرف المواطن من يحاسَب إذا أخفقت المؤسسة.
أما أن تتغير أسماء الأنظمة وتبقى لعبة توزيع المواقع حاضرة فهذه هي الخلبيصة التي تستحق أن نتوقف عندها طويلًا.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على كل حكومة عراقية ملكية كانت أم جمهورية
هو: كم منصبًا أنشأت لتخدم الدولة وكم منصبًا احتاجت إليه لتسوية خلافاتها؟
فالعراق لا تنقصه الكراسي بل تنقصه النتائج.
ولا تنقصه الألقاب بل تنقصه الإدارة الرشيدة.
ولا تنقصه الوعود بل يحتاج إلى دولة يشعر فيها المواطن بأن المسؤول موجود لخدمته لا أن المواطن هو الذي يدفع ثمن وجود المسؤول.
تلك هي الخلابيص العراقية:
تتغير الوجوه وتتعدد المناصب ويبقى المواطن ينتظر دولةً لا تحتاج إلى كل هذه الكراسي كي تقف على قدميها.



