العالم بين مضيقين واميركا في بحر لجي..!
محمد صادق الحسيني ||

في روايته “الحرب والسلم” حاول تولستوي الكاتب الروسي الشهير ان يقول ان نابليون كان في غنى عن الحرب لنشر مبادي الثورة الفرنسية ظناً منه ان العالم سيبتعد عن الحرب لمصلحة السلام .
لكن العالم الغربي على ما يبدو في زمن ترامب بات اكثر دناءة وحقارة بحيث ان الحرب اصبحت لديه اداة للتوحش وسلب كل حاجات اليشرية والاستحواذ عليها.
اذ تكاد كل العوامل الان تختفي امام تقدم عالم القوة الفجة والمتوحشة الذي يطغى على كل مقدرات البشرية منذ حرب الابادة على غزة وصولاً الى ما يجري الان يوميا في جنوب لبنان .
وكأن السلام او الصلح امر مؤقت ومشهدية كاذبة وزائفة وليست سوى مرحلة او محطة بين حربين ، ما ان نحاول قراءة مشهدية لتهدئة ما حتى تشتعل حرب اكثر شدة من سابقتها.
حتى السياسة التي كانت يوماً اداة بيد الحكام لبلوغ مبتغاهم ، والحرب كانت استمراراً لها كما يقول كلاوفيتز في اطار الصراع على المصالح بين الدول ، فقد اصبحت اليوم معجونة بالنفعية المباشرة الخسيسة لهذه العصابة او تلك ممن يمسكون باقتصاديات دول وامارات عالمية… لتصبح بذلك جيوسياسة في خدمة المصالح الضيقة لاولئك الزعماء الذين يفتقرون الى ابسط قواعد القانون الدولي بل و حتى الخاص في بلدانهم.
اذن نحن في زمن الحرب التي تنشب هنا وهناك وقد تستعر الى اعلى الدرجات بناء على رغبات انانية لاولئك الزعماء المتوحشين العالميين و مصالح عصاباتهم القذرة التي تتحكم بالماء والهواء والحركة بين الارض والسماء …
وهاهو العالم يكاد يحبس انفاسه اثنين من هذا الصنف من المتنمرين من زعماء العصابات الامريكيين الصهاينة احدهما رئيس اكبر امبراطورية انشات على ارض الغير من اصحاب الارض الاصليين ( اللاتينيين)
والاخر رئيس عصابات من جيوش المستوطنين المستحوذين على اراضي الغبر( الفلسطينيين)
ولان الامر كذلك فقد شاءت السنن الكونية والاقدار بان ينتقل مسرح السياسة والحرب لدى المدافعين عن الحرية والاستقلال والحقوق في العالم الى نوع جديد من الكفاح يعتمد على نفس الجيوسياسة ، مستخدمين الجغرافيا والحاجات البشرية الطبيعية كاسلحة فعالة لاخراج الخصم من المشهد بشكل اكثر ابداعاً وايلاماً من ذي قبل.
ولان معادلة القوة كانت ولا تزال الغلبة فيها لمن يمسك بطرق التجارة العالمية واحتياجات العالم الاساسية.
ولما كانت الامبراطوريات العظمى لاسيما الولايات المتحدة قد قامت على طرق البحار والممرات المائية،
ولما كان العالم الحديث بكل تقدمه التكنولوجي يقوم على النفط والغاز ومشتقاتهما الاساسية
فقد قررت القوات المكافحة للهيمنة العالمية وللظلم والطغيان الدوليين الامساك بتلابيب القوة التي امدت الامبراطوريات بالحباة حتى الان
اي الامساك بالماء والنفط والطاقة اي القبض على الاقتصاد العالمي برمته.
ليس امر السيطرة على مضيق هرمز ، مجرد اختلاف سياسي او عسكري او امني بين ايران والولايات المتحدة الامريكية، بقدر ما هو امر اختلاف اساسي على موضوعة استقلال القرار السياسي والاستراتيجي لايران ولكل قوى و دول العالم المناهضة للهيمنة والسيطرة الاستعمارية على مقدرات الشعوب.
فمن مضيق هرمز يمر الوقود للتجارة والزراعة والتغذية والوقود للتكنولوجيا والوقود للاتصالات والوقود لتحلية المياه وصناعة الكهرباء وكل الصناعات من الرقائق الى الانترنت العالمي وصولا اكللصعود الى القمر وسائر الكواكب.
هذا المرفق الحيوي الذي قبضت عليه طهران في لحظة تاريخية حاسمة قلبت عمليا موازين القوة والجغرافيا والسياسة من الغرب الى الشرق
ولما لم يرعو الغرب المنافق ولم يتعلم الغرب الجماعي الكذاب ، وامريكا التي تم تقليم اظافرها عمليا في حربين متتاليتىين ( حرب الد١٢ يوما وحرب رمضان) ضد ايران، من الهزيمة العسكرية والشاملة ، بما فيها تقليم اظافر بيادقهم الصغار التي ظلت اشبه ما يكون بالقلاع الصليبية حتى الان…
فقد قرر هذا العالم المكافح من اجل نيل الحربة والاستقلال ، انتزاع تحرره من الطغيان العالمي المتمثل بشكل رئيسي بالشيطان الاكبر اي امريكا، الضرب بشدة على يده الاخرى في المنطقة بعد الكيان الصهيوني اي انظمة كازيات النفط والغاز الخليجية، وتحديدا الامساك من يدها الضاربة اي المملكة السعودية.. فكان الرد على خطتهم الثانية التي ارادوها مفاجأة لقوى التحرر من خلال ما ظلوا يسمونه باالناتو العربي مرة والناتو الاسلامي مرة اخرى…!
وهكذا يتم السيطرة الان على المضيق الثاني الاستراتيجي اي مضيق باب المندب، من خلال قوة صافية قوية شديدة البأس معروفة تاريخياً بانها هزمت كل الامبراطوريات والقوى التي حاولت الاقتراب من هضابها..!
نفس الحكاية تتكرر الان مع المضيق الجديد مع زيادة واضافة اخرى شديدة الحساسية الا وهي ان هذا المضيق الجديد هذا بعد ان تكتمل السيطرة عليه… وهي في طريقها … فان القوة العظمى الجديدة ( اي اليمن) من الان فصاعداً ستكون المطلة على جنوب الكيان المشلول اصلا لتشدد عليه الحصار في ساعة القرار ، والمطلة على القرن الافريقي لتحرره ، اضافة الى يدها القوية القادرة بالوصول الى سواحل المتوسط ، واغلاق قناة السويس عند الضرورة.
هذا ناهيك عن اغلاق المشهد تماما على طال عمرك… الامير الحالم بعرش الجزيرة العربية المتهالك…
وبهذا تكون معادلة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية كلهم جميعا قد سقطوا بين يدي الانصار…
وعالم القوى العظمى بل العالم جميعا محصور عملياً بين مضيقين
احدهما يدفع الاحرار بقوة في التاريخ الجديد الذي ترسم ملامحه الجغرافيا السياسية الحديثة، والاخر يقول لهم ان هلموا فها نحن نحضر لعالم جديد لادظلم فيه ولا جور والافضلية فيه للمتقين والمهتدين.
هذا فيما يحاول قبطان البحر القديم الابحار في بحر لجي مضطربة امواجه ظلمات فوق ظلمات وهو يردد مبتهجاً :
المضيق مفتوح…!
بينما تحبس انفاسه ليس في هذا المصيق فحسب بل
وفي مضيق اخر اكثر لجيةً..!
عالم ينهار
عالم ينهض
بعدنا طيبين قولوا الله




