الجمعة - 23 اكتوبر 2026

قال تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴿سورة النساء: 45﴾..!

منذ 22 دقيقة
الجمعة - 23 اكتوبر 2026

 ✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴿سورة النساء: 45﴾.

لا يتولى المؤمنون الكافرين، ولا يركنون إليهم، ولا يطمئنون إلى كلامهم المعسول، وما يُظهرون لهم من مودة ونُصرة، إنما الله وحده وليهم وكافيهم وناصرهم. هذا ما تفيده الآية الكريمة التي جاءت في سياق حديث القرآن عن قومٍ أُوتوا نصيبًا من الكتاب، لكنهم اختاروا الضلالة، وأرادوا أن يضلّ المؤمنون عن سبيل الحق. ثم تكشف الآية التالية بعض مظاهر هذا الانحراف، ومنها تحريف الكلام عن مواضعه والطعن في الدين.

إن سياق الآية الكريمة هو تحذير من عداوةٍ تتخفّى وراء مواقف وأقوال قد تُوهم المؤمنين أن أصحابها ناصحون لهم، فيما تكشف أفعالهم أنهم يسعون إلى إضلالهم والإضرار بدينهم.

وهنا يضع القرآن أمام المؤمنين ثلاث حقائق مترابطة: أن يعرفوا عدوهم، وألا يمنحوه ولايةً لا يستحقها، وأن يثقوا بالله وليًّا ونصيرًا.
أولًا: قد تكون العداوة المستترة أشد خطرًا من العداوة المعلنة، لأنها قد تدفع الإنسان إلى منح الثقة لمن يسعى إلى الإضرار به. فقد ينخدع الإنسان ويطمئن إلى الكلام المعسول، وقد يظن أن من يُظهر له المودة أو ينصحه في بعض الأمور لا يمكن أن يكون عدوًا له. لكن العداوة لا تُقاس بما يقوله المرء، وإنما تكشفها مواقفه وأفعاله وما يسعى إلى تحقيقه، فقد أقسم إبليس لآدم وزوجه أنه لهما لَمِن الناصحين، وأنه يريد لهما الخير. قال تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴿20﴾ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴿سورة الأعراف: 21﴾.

قد يكون العدو صريحًا في عداوته، فيعرفه المؤمنون ويحذرون منه، وقد يتخذ أسلوبًا آخر، فيُظهر النصح بينما يسعى إلى الإضلال، ويعرض المساعدة بينما يريد أن يجعل الطرف الآخر تابعًا له، ويُقدِّم التنازل على أنه حكمة، مع أن نتيجته إضعاف الحق الذي يتمسك به المؤمنون. وهنا تكمن خطورة سوء تقدير العدو: أن يمنحه المؤمنون من الثقة والتأثير ما لا يمنحونه لعدوهم المعروف.

ثانيًا: إن رفض الظلم والطغيان، وعدم إعانة الظالم على ظلمه، واجب ديني وأخلاقي على المظلومين، فالعدو الذي يعلن عداوته لهم، ويعمل على النيل منهم وقتلهم، ومصادرة قرارهم، ونهب ثرواتهم، وتدمير أوطانهم، لا ينبغي أن يقابلوه بالمحبة والتسامح، قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿سورة فاطر:6﴾. والشيطان هو كل طاغٍ وظالم ومتمرِّد ومتعدٍ على عباد الله وخلقه، فيجب اتخاذه عدوًا، وإلا صار المرء في حزبه، وحزب الشيطان مصيرهم إلى النار.

والمراد من معاداة العدو اتخاذ الموقف الذي تقتضيه العداوة. ويتجلّى في ألّا نمنحه ولاءنا، وألّا نُمكّنه من توجيه قراراتنا، وألّا نعينه على تحقيق غاياته المضادة لمصالحنا ولقيمنا. مع التنبيه على أمر في منتهى الخطورة وهو أن العدو قد لا يطلب من المؤمنين أن يعلنوا تخليهم عن مبادئهم، فقد يكفيه أن يدفعهم تدريجيًا إلى التساهل فيها، أو أن يجعلهم يتبنون قراءته للأحداث، أو أن يقنعهم بأن مصلحتهم لا تتحقق إلا بالارتهان إليه. ولهذا يجب أن تكون العداوة واضحة لا لبس فيها، وقاطعة لا مساومة فيها.

والخطر الأكبر أن يصبح المؤمنون واعين بعداوة أعدائهم، لكنهم يتصرّفون كما لو كانوا حلفاء لهم، يأتمنونهم على ما يضر بهم، ويثقون بتقديراتهم رغم تعارضها مع الوقائع، ويقبلون نصائحه من غير تدقيق، ثم يبررون ذلك بأنهم مضطرون إلى التعامل معهم وفي هذه الحالة تصبح معرفة العدو بلا أثر عملي.

بعد التحذير من العدو، يقول الله تعالى: ﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾. فالله ولي المؤمنين، بل هو ولي الخلق جميعًا، لأنه خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم، ولا ولاية لأحد من خلقه استقلالًا عن الله، أما الولاية التي يثبتها الله لبعض خلقه فهي بإذنه، قال سبحانه: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴿سورة المائدة: 55﴾. فالله هو الولي بالأصل، أما ولاية الرسول والمؤمنين فهي بإذن الله، ومتفرعة من ولايته، ولا تمنح القوة أو السيطرة صاحبها حقًّا مطلقًا في ولاية الآخرين، ولو تسلّط على الأرض كلها.

وتولي المؤمنين لله يعني أن يظلوا مرتبطين به، يرجعون إليه في شؤونهم، ويستمدون منه الهداية في مواقفهم، وألا يصبح عدوهم هو الذي يحدِّد لهم ما يرونه صحيحًا أو مصلحةً أو ضرورة. والله كافٍ لعباده في ولايته، فلا يحتاجون إلى الارتهان لأعدائهم بحثًا عن مرجعية أو حماية. ﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾. فهو الولي الذي يتولى أمر المؤمنين، وهو النصير الذي يعينهم في مواجهة أعدائهم.

 ✍ السيد بلال وهبي

فجر يوم الجمعة الواقع في: 23/10/2026 الساعة (05:41)