هل ستعود تشرين مجدداً؟ أم أن تشرين كانت مرحلة وانتهت؟!
عبد الرحمن المالكي ||

منذ انطلاق احتجاجات تشرين عام 2019، ارتبط اسمها بآمال واسعة لدى العراقيين في التغيير، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، وبناء دولة تقوم على المواطنة والعدالة، وقد مثّلت تلك الاحتجاجات لحظة فارقة في المشهد السياسي العراقي، شارك فيها شباب من خلفيات مختلفة، مدفوعين بالغضب من واقع لم يعد كثيرون قادرين على تحمّله.
لكن، وبعد مرور السنوات، يبرز سؤال مهم: هل يمكن أن تعود تشرين مجدداً، أم أن التجربة استنفدت قدرتها على التأثير؟
إن عودة تشرين لا تتعلق بقدرة الناس على النزول إلى الشوارع فحسب، بل بمدى قدرتهم على تجاوز الأخطاء التي رافقت التجربة السابقة، فالحركات الاحتجاجية لا تستمر بالغضب وحده، ولا تستطيع تحقيق أهدافها بمجرد رفع الشعارات، بل تحتاج إلى قيادة واضحة، وبرنامج محدد، وشخصيات معروفة بمواقفها، وآليات تضمن عدم مصادرة صوت المحتجين لمصلحة أفراد أو جماعات.
وهنا تكمن إحدى أبرز مشكلات تشرين؛ إذ اتسمت منذ بدايتها بغياب القيادة الموحدة، وتعدد الأصوات التي تحدثت باسمها من دون وجود مرجعية تمثيلية متفق عليها.
كما لم تتبلور جميع المطالب في مشروع سياسي متكامل يحدد الأولويات، ويرسم طريق الوصول إلى التغيير، ويضع معايير واضحة لمحاسبة من يتحدث باسم الشارع.
وقد أشار تحليل مجموعة الأزمات الدولية إلى أن الانتقال من ساحات الاحتجاج إلى العمل السياسي واجه تحديات تنظيمية وسياسية معقدة.
وإذا كانت عفوية الاحتجاج قد منحت تشرين زخمها الشعبي، فإن غياب التنظيم جعل هذا الزخم عرضة للتشتت، فمن الذي يملك حق التحدث باسم تشرين؟ ومن يحدد مطالبها؟ ومن يحاسب من يستثمر اسمها لتحقيق مكاسب سياسية؟ أسئلة لم تجد إجابات جامعة، الأمر الذي أضعف قدرتها على التحول إلى مشروع مستدام.
أما التجربة الحزبية التي أعقبت الاحتجاجات، فقد كانت اختباراً عملياً لمدى قدرة بعض الناشطين على تحويل مطالب الشارع إلى عمل سياسي، فقد دخلت قوى وشخصيات مرتبطة بتشرين الانتخابات البرلمانية عام 2021، ونجح بعضها في الوصول إلى مجلس النواب، ومن بينها حركة امتداد التي حصلت على تسعة مقاعد وفق النتائج الانتخابية آنذاك.
غير أن وصول بعض ممثلي الاحتجاجات إلى البرلمان لم يكن كافياً، بحد ذاته، لإثبات تحقق التغيير الذي انتظره المحتجون، فالسؤال لم يعد متعلقاً بعدد المقاعد التي حصلت عليها القوى الجديدة، وإنما بمدى قدرتها على الحفاظ على استقلالها، وتمثيل مطالب جمهورها، وتقديم نتائج ملموسة تتناسب مع الوعود التي أُطلقت في الساحات.
لقد تراجعت قوى وشخصيات من هذا التيار، وانقسم بعضها، فيما اتجهت شخصيات أخرى إلى مسارات سياسية مختلفة، وتشير دراسات عن تجربة القوى المنبثقة من تشرين إلى مشكلات تتعلق بالخبرة السياسية، والخلافات الداخلية، وضعف التنظيم، فضلاً عن انتقال بعض الناشطين إلى قوى مرتبطة بالنخبة السياسية التقليدية.
ومن هنا، يحق للمواطن أن يسأل: أين ذهبت الوعود؟ ولماذا لم تستطع القوى التي رفعت شعار التغيير المحافظة على ثقة الشارع؟ وهل كان الهدف بناء مشروع وطني طويل الأمد، أم أن بعض المشاركين رأوا في تشرين فرصة للوصول إلى مواقع سياسية لم تكن متاحة لهم من قبل؟
إن أصحاب المطالب الحقيقية لم يخرجوا إلى الشوارع من أجل صناعة زعامات جديدة، أو استبدال وجوه بأخرى، بل من أجل تغيير واقعهم.
وحين تتحول معاناة الناس إلى رصيد انتخابي، ثم يتراجع الالتزام بالوعود، تصبح الخسارة أكبر من خسارة مقعد برلماني؛ إنها خسارة ثقة المواطن بإمكانية التغيير من الأساس.
هل انتهت تشرين إذن؟
يمكن القول إن تشرين بوصفها موجة احتجاجية واسعة امتدت منذ عام 2019 قد انتهت مرحلتها التاريخية
وإذا عادت تشرين، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في ملء الساحات مجدداً، بل في الإجابة عن الأسئلة التي بقيت معلقة: من يقود؟ ما المطالب المحددة؟ كيف تُختار الشخصيات التي تمثل المحتجين؟ وما الضمانات التي تمنع تكرار تجربة التحول من ساحات الاحتجاج إلى صراعات المصالح والمناصب؟
إن أي حركة احتجاجية مقبلة تحتاج إلى برنامج واضح، وقيادة معلنة وقابلة للمحاسبة، ومطالب واضحة قابلة للقياس، وموقف صريح من الفساد والمحاصصة، وآليات تمنع احتكار تمثيل الشارع، كما تحتاج إلى الفصل بين حق المواطن في الاحتجاج وبين حق أي شخصية أو حزب في ادعاء تمثيله.
في النهاية، ليست المشكلة في أن تشرين قد تعود أو لا تعود، بل في أن تتكرر الأخطاء نفسها إذا عادت.
فالتاريخ لا يمنح الحركات الشعبية فرصة جديدة لمجرد أنها قد كانت صادقة في بداياتها؛ وإنما تتوقف قدرتها على الاستمرار على ما تتعلمه من تجاربها، وعلى مدى وفائها للناس الذين خرجوا من أجل مطالبهم، لا من أجل صناعة احزاب وسياسيين جدد.
لقد كانت تشرين حدثاً سياسياً مهماً في تاريخ العراق الحديث، لكن قيمتها النهائية لن تُقاس فقط بما شهدته ساحاتها، بل بما تركته من وعي، وما كشفته من إخفاقات، وما إذا كان العراقيون سيستطيعون تحويل مطالبهم المشروعة إلى مشروع واضح لا يستطيع أحد مصادرته لمصلحته الخاصة.




