حرب الإرادات.. واشنطن وتل أبيب وطهران يقفآن على حافة الانفجار..!
د. إسماعيل النجار ||

واشنطن وتل أبيب وطهران يقفآن على حافة الانفجار، إنها حرب الإرادات، ومصير الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي على المِحَك.
*لم يعد الشرق الأوسط اليوم يقف أمام احتمال حرب جديدة فحسب، بل أمام اختبار استراتيجي بالغ الخطورة؟ هل تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل فرض معادلة سياسية وعسكرية جديدة على إيران، أم أن طهران ستنجح في تحويل التفوق العسكري لخصومها إلى استنزاف اقتصادي وأمني يهدد المنطقة والعالم؟
إن ما يجري يتجاوز تبادل التهديدات والتسريبات الاستخباراتية. فالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 شباط 2026، وما أعقبها من تفاهمات ووقف هش للقتال، لم ينجحآ في إزالة أسباب الصراع، بل تركا المنطقة معلقة بين حرب لم تُحسم وتسوية لم تنضج. وتبقى الملفات النووية والعقوبات ومضيق هرمز جوهر الخلاف المستعصي. وتكشف التطورات الراهنة عن مفارقة سياسية، واشنطن ترفع جاهزيتها العسكرية، وتحرك مزيداً من قواتها وقطعها البحرية، فيما تؤكد أنها لن تستأنف الهجمات قبل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من تشرين الثاني. وفي المقابل، تستعد إسرائيل لاحتمال شن ضربات جديدة متعددة الأيام، بينما تحاول قطر وباكستان وغيرهما إنعاش الوساطات المتعثرة من دون تحقيق أي تقدم أو فتح ثغرة في الجدار الإيراني الصلب.
وقد أوردت صحيفة “وول ستريت جورنال” في 21 تشرين الأول هذه المعادلة، بما فيها وصول تعزيزات عسكرية أميركية واستمرار الجهود الدبلوماسية.
وهنا تتقدم الأسئلة على الأجوبة هل يمثل التأجيل الأميركي قراراً استراتيجياً بالتهدئة، أم مجرد حساب انتخابي مؤقت؟ وهل تراهن تل أبيب على تغيير الموقف الأميركي، أم على تحرك عسكري يفرض على واشنطن الالتحاق بنتائجه؟
إن الاستعداد للحرب لا يعني حتمية وقوعها، لكنه يصبح أكثر خطورة عندما تتقاطع الحسابات السياسية مع ضيق الوقت وانعدام الثقة. فإسرائيل تريد نتائج استراتيجية، وأميركا تحسب كلفة المغامرة؟
*نتنياهو يسعى إلى تقليص القدرات الإيرانية الصاروخية والعسكرية والنووية، ومنع استعادة طهران قدرتها على فرض معادلات ردع إقليمية. لكن تدمير المنشآت أو إلحاق الضرر بالقدرات العسكرية لا يساوي بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية، فضلاً عن أن إنهاء النفوذ الإيراني أو تغيير النظام ليسا مهمتين يمكن ضمانهما بالقصف الجوي وحده.
*أما واشنطن، فتواجه معادلة أكثر تعقيداً؛ فهي تريد حماية إسرائيل ومصالحها وحلفائها، لكنها لا تستطيع تجاهل كلفة حرب طويلة، واستنزاف الموارد العسكرية، وارتفاع أسعار الوقود، والارتدادات الانتخابية. ولذلك قد تستخدم الحشد العسكري لانتزاع تنازلات تفاوضية، كما قد تتحول هذه الاستعدادات إلى مقدمة لعمليات فعلية إذا انهارت الحسابات السياسية.
*وقد أشارت «فايننشال تايمز» إلى استعدادات إسرائيلية لاستئناف ضربات واسعة، وعملية مقررة في تشرين الأول قد تعثرت أمام اعتراض ترامب. وهو معطىَ يكشف تبايناً في الأولويات، لا انقساماً نهائياً بين الحليفين.
*إيران تتأهب بين الردع والهجوم وتدرك أن تفوق خصومها الجوي والتكنولوجي يضعها أمام تحديات هائلة، لكنها تراهن على توسيع كلفة الحرب، لا على تحقيق تفوق عسكري تقليدي. فالصواريخ والمسيّرات، والقدرة على تهديد الملاحة، واستهداف المصالح المرتبطة بالحرب، أدوات لإجبار الخصم على إعادة حساباته. ومن هنا، لا ينبغي قراءة التهديدات الإيرانية باعتبارها مجرد خطاب للاستهلاك الداخلي، ولا اعتبارها دليلاً قاطعاً على قرار بهجوم استباقي. فالضربة الاستباقية الواسعة قد تمنح خصوم إيران مبررات لتوسيع الحرب، وتستجلب تحالفات إضافية ضدها. لكن إذا اقتنعت القيادة الإيرانية بأن هجوماً وشيكاً يستهدف قدراتها الأساسية، فقد تتجه إلى خيارات شديدة المخاطر ولديها الشجاعه على إتخاذ القرار والبدء في الحرب.
لكن الأرجح استراتيجياً أن طهران تريد الاحتفاظ بأوراقها، وإطالة أمد الضغط، ورفع ثمن أي هجوم، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً وفق شروطها. وقد نقلت رويترز في 20 تشرين الأول عن مسؤولين إيرانيين أن طهران تتوقع تجدد الهجمات، وأن المفاوضات تتأثر أيضاً بحسابات الانتخابات الأميركية وانعدام الثقة المتراكم. هنا يقف هرمز عائقاً حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح اقتصادي قاتل، وتكمن أخطر أوراق المواجهة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره في الظروف الطبيعية حصة تقارب ٤٠% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. إن تعطيل هذا الممر لا يصيب دولة بعينها، بل يضرب شبكة الطاقة والتجارة والتأمين والنقل في جميع أنحاء العالم.
وقد تجاوز خام برنت 108 دولارات للبرميل في تسوية 21 تشرين الأول، في مؤشر إلى أن الأسواق تسعّر مخاطر الحرب واضطراب الإمدادات، وليس مجرد تغيرات العرض والطلب.
*أما التهديد باستهداف الكابلات البحرية السبعة، فيفتح باباً جديداً للتصعيد. فهذه الكابلات تحمل حركة بيانات دولية حيوية، وقد يؤدي تضرر بعضها إلى اضطرابات كبيرة في الاتصالات والخدمات المالية والسحابية، خصوصاً في الدول محدودة البدائل. لكن ما هو في عمق مياه مضيق هرمُز ليس جميع مسارات الإنترنت العالمية، ولا يعني قطعها تعطيل الإنترنت عن العالم بأسره.
*إن استهداف البنية الرقمية، إذا وقع، سيحوّل الحرب إلى مواجهة تمس الاقتصاد المدني مباشرة، من المصارف والمستشفيات إلى الشركات والأفراد، ويرفع احتمالات تدويل الصراع لذلك من المستبعد أن تفعلها طهران وتتضرر معهم.
*إيران تواجه خسائر فادحه في الإنتاج والتصدير، والضغوط المالية، وتآكل البنية التحتية، وتفاقم الأزمات الاجتماعية. وإسرائيل تواجه بدورها تكاليف الدفاع والاستنزاف وتعطيل الحياة الاقتصادية وهروب الشركات الكبرى ورؤوس الأموال، بينما تتحمل الولايات المتحدة أعباء الانتشار العسكري والطاقة والسياسة الداخلية وغلاء المعيشه وإنفجار الشارع غضباً بوجه ترامب.
*أما دٌوَل الخليج العربي، فقد تجد نفسها أمام مفارقة قاسية ثروتها النفطية التي تمنحها القوة الاقتصادية ستصبح في الوقت نفسه نقطة تعرُّض استراتيجية. ولبنان والعراق واليمن قد يتحولون إلى ساحات إضافية للصراع، بما يحمله ذلك من نزوح وتدمير واضطراب اقتصادي وإنساني.
*ولا تنتهي التداعيات عند النفط؛ فارتفاع الطاقة يرفع كلفة النقل والصناعة والغذاء، ويغذي التضخم ويضغط على العملات والاستثمارات، ولا سيما في الاقتصادات الهشة والدول المستوردة للطاقة.
فبين التسوية وحرب الاستنزاف ثمة ثلاثة مسارات رئيسية؛ إما تفاهم اضطراري يوقف التصعيد ويعيد فتح مسار التفاوض؛ وأما ضربات محدودة ومتقطعة تبقي المنطقة في حالة استنزاف؛ أو حرب إقليمية واسعة تمتد إلى الملاحة والطاقة والجبهات المرتبطة بالنزاع تهدد أمن العالم.
*في هكذا ظروف لا يبدو أن أحداً يستطيع ضمان السيطرة على المسار الثالث إذا انطلقت شرارته. فالحرب قد تبدأ بأهداف محددة، ثم تتسع بفعل الردود المتبادلة وسوء التقدير، حتى يصبح وقفها أصعب من قرار إشعالها.
*إن الاختبار الحقيقي للقوى المتواجهة اليوم ليس بعدد الطائرات والسفن والصواريخ، بل قدرتهم على تحويل القوة إلى نتائج سياسية قابلة للاستمرار.
*فقد تنجح الولايات المتحدة وإسرائيل في إلحاق أضرار عسكرية جسيمة بإيران، من دون أن تنجحآ في إسقاط النظام او إخضاعها أو بناء نظام إقليمي مستقر. وقد تنجح إيران في الصمود ورفع التكلُفة على خصومها وإجبار أميركا على سحب جيوشها وترك المنكقه من دون أي إتفاق، لكن لا يعني ذلك انتصاراً اقتصادياً أو اجتماعياً لشعبها لأن أزمة العقوبات ستستمر.
*إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى انتصار عسكري جديد بقدر ما هو بحاجة إلى تسوية تعالج جذور الصراع، وتضمن أمن الدول وحرية الملاحة، وتمنع تحويل البنى التحتية المدنية إلى رهائن في معارك النفوذ شرط إعطاء إيران حقها المسلوب.
*فحين تصبح الطاقة والاتصالات والغذاء أدوات في حرب الإرادات، لا يعود الخاسر محصوراً في الطرف الذي تتساقط صواريخه عليه، بل يمتد إلى كل مجتمع يدفع ثمن صراع لم يصنع قراره. وقد تكون الهزيمة الاستراتيجية الكبرى أن يخرج الجميع من الحرب أكثر تسلحاً، وأقل أمناً، وأفقر اقتصاداً، وأبعد عن السلام.
بيروت في،،،23/10/2026




