الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

جبهات لا يراها أحد.. من مجموعة خط الصد الأول..!

منذ 3 ساعات
الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

 تأليف جليل هاشم البكاء ||

 

 

 

لم تكن الجائحة، كما اكتشفنا بعدها، معركة مستشفيات فقط.

بقيت هذه الفكرة عالقة في ذهني بعد حديث طويل مع الدكتور السيد عبد المرتفع الجابري. لم يكن يتحدث عن الأطباء كأبطال منفصلين عن مجتمعهم، بل كان يعيد ترتيب الصورة كاملة. الطبيب الذي يدخل غرفة المريض لا يستطيع وحده حماية المجتمع إذا كان البيت والمدرسة والشارع تسير في اتجاه آخر.

فقلت له إن الناس ربما تختصر الحكاية في من كانوا داخل المستشفيات.
ابتسم وقال: هناك من كانوا يقاتلون في أماكن لا يراها أحد.

ومن هنا بدأت حكايته.

حيث قال إن الجائحة وضعت الجميع أمام امتحان واحد. المعلم أمام مسؤوليته، والأسرة أمام مسؤوليتها، ورجل الأمن، والإعلامي، ورجل الدين، والأب والأم. فكل واحد من موقعه، قد كان قادراً على تقليل الخطر أو زيادته، أحياناً دون أن يدرك.

ثم انتقل إلى نقطة أكثر حساسية: الأطفال والشباب الذين انقطعت عنهم المدارس لم يكونوا مجرد طلاب جلسوا في البيوت، بل جيل كامل يتشكل تحت ضغط الخوف والعزلة.

وهنا لم يعد السؤال: كيف نعالج المصاب؟
بل أصبح: كيف نحمي مجتمعاً كاملاً من آثار ستبقى بعد المرض؟

الطبيب يعالج التهاباً في الرئة، لكنه لا يستطيع وحده أن يعالج الخوف الذي استقر في النفوس. الجائحة كانت أكبر من مرض، كانت اختباراً للتماسك.

وعندها تغيّر مسار الحديث، دخل عبد المرتفع نفسه في الحكاية. لقد أصيب بالفيروس. وفي لحظة الإصابة تغيرت المسافة بين الطبيب والمريض. من كان يطمئن الناس أصبح يحتاج لمن يطمئنه.

وهنا ظهر الدكتور الملاك مجيد موحان الحمامي.

فلم يتعامل معه كزميل يحتاج وصفة فقط، بل كإنسان يمر بتجربة ثقيلة. كان يتابع التفاصيل، يسأل، يراجع، ويطمئن. كان وجوده نفسه جزءاً من العلاج.

يقول عبد المرتفع: هذا النوع من الحضور لا يظهر في الملفات الطبية، وهو ما يجعل بعض الأشخاص لا يُختزلون في وظيفة.

ثم جاءت المفارقة المؤلمة. الرجل الذي وقف إلى جانب الآخرين في أصعب أيامهم، واجه هو نفسه المرض ورحل.

لم يرد عبد المرتفع أن تتحول شهادته إلى رثاء، فعاد إلى فكرته الأولى: الجبهات الأخرى.

المعلم الذي حافظ على تواصل طلابه لم يكن يؤدي حصة دراسية فقط، بل كان يمنع الانقطاع من أن يتحول إلى ضياع. والأم التي تنظم الحياة داخل المنزل وتراقب الأعراض تقوم بدور لا يظهر في أي إحصائية. ورجال الأمن الذين ينظمون حركة الناس ويتعاملون مع القلق والغضب يمنعون الفوضى في وقت كان الجميع يريد العودة لحياته.

هكذا اتسع خط الصد. لم يعد معطفاً لطبيب فقط.

وقد قال جملة توقفت عندها طويلاً: إذا أخفقنا في حماية التعليم، سندفع الثمن بعد سنوات. المريض الذي يشفى يعود لحياته، أما الجيل الذي يفقد سنوات من التعلم والتكوين فقد يحمل أثرها معه إلى المستقبل.

كان ينظر إلى ما بعد المريض. من سيعود للمدرسة؟ من فقد الدافع؟ من فقد شخصاً يحبه؟ أسئلة لم تكن لها غرف عزل.

وكان ما جمع الأطباء بغيرهم هو الهدف الواحد وإن اختلفت المواقع. من في الداخل يعالج، ومن في الخارج يمنع وصول المزيد. وبينهما مساحة واسعة من العمل غير المرئي.

وفي نهاية الحديث سألته عما بقي في نفسه من تلك الأيام، فلم يتحدث عن أجهزة أو أرقام، بل عاد إلى الإنسان.

قال إن الجائحة كشفت مقدار اعتمادنا على بعضنا. قد تظن أنك مستقل، ثم تأتي أزمة فتكتشف أن حياتك متصلة بسلسلة طويلة من بشر لا تعرف أسماءهم. إذا انكسرت حلقة واحدة، امتد أثر الكسر إلى الجميع.

عندها فهمت لماذا كانت حكاية مجيد مهمة وخالدة في ذاكرة ابي ابراهيم الجابري، فلم يظهر فيها كطبيب فقط، بل كإنسان وزميل، ثم كمريض، قد رحل في النهاية.

فالذي يساعدك اليوم قد يحتاجك غداً، والذي يبدو قوياً قد يخفي خوفاً لا يراه أحد.

لذلك لم تكن كل جبهات الوباء مرئية. بعضها كان في المستشفى، وبعضها في المدرسة، وبعضها داخل البيت، وبعضها في قلب الإنسان نفسه.

بقلم جليل هاشم البكاء