السبت - 03 اكتوبر 2026

إذا كان العراق يريد أن يكون دولة قوية… فعليه أن يبني عقل الدولة قبل أن يكدّس السلاح..!

منذ 10 ساعات
السبت - 03 اكتوبر 2026

نزار الحبيب ||

 

 

 

الأمن القومي ليس جهازاً واحداً، وليس مديرية واحدة، وليس مجموعة تقارير توضع على مكتب مسؤول.

الأمن القومي الحقيقي هو منظومة متكاملة ترى الدولة من الداخل والخارج في الوقت نفسه.

العراق يحتاج إلى منظومة تعرف ماذا يحدث على حدوده، وماذا يحدث داخل مؤسساته، ومن يحاول اختراق قراره، ومن يحرك الأموال، ومن يصنع الروايات، ومن يحاول التأثير على الاقتصاد والطاقة والموانئ والاتصالات.

المخابرات تجمع وتُحلل وتكشف شبكات التجسس والاختراق وفق صلاحياتها القانونية.

الأمن الوطني يراقب التهديدات التي تستهدف الدولة والمجتمع والمؤسسات، ويحول المعلومات الأمنية إلى حماية فعلية ضمن القانون.

الاستخبارات العسكرية يجب أن تعرف قدرات الخصم، وتحركاته، وتسليحه، ونواياه، وأن تجعل الجيش العراقي لا ينتظر المعركة حتى يعرف عدوه.

مكافحة التجسس يجب أن تكون عيناً داخلية تمنع اختراق مؤسسات الدولة، لأن أخطر عميل ليس دائماً من يحمل سلاحاً… أحياناً يكون شخصاً يحمل بطاقة موظف ويدخل إلى غرفة القرار.

ثم يأتي الأمن السيبراني.

في عالم اليوم، الحرب لا تبدأ دائماً بصاروخ.

قد تبدأ باختراق خادم، أو سرقة قاعدة بيانات، أو تعطيل شبكة اتصالات، أو التلاعب بالمعلومات، أو السيطرة على منظومة حساسة.

وهنا يجب أن يفهم العراق أن المعلومة أصبحت جزءاً من السيادة مثل الأرض والسماء والمياه.

لكن هناك نقطة أهم من كل ذلك:

هذه الأجهزة لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات صراع سياسي داخلي.

قوة أجهزة الدولة ليست في أن تخيف المواطن.

قوتها في أن تحمي المواطن والدولة معاً.

لا نريد دولة تراقب شعبها وتترك حدودها مفتوحة للاختراق.

ولا نريد أجهزة تعرف خصوم السياسيين أكثر مما تعرف خصوم العراق.

نريد منظومة يكون معيارها واحداً:

المصلحة الوطنية العراقية.

العراق لديه جغرافيا حساسة، وثروات هائلة، وحدود طويلة، وموقع يربط الخليج بتركيا وسوريا وإيران، وهو يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى دولية وإقليمية.

ولهذا فإن بناء الأمن القومي العراقي ليس مشروع وزارة واحدة.

إنه مشروع دولة.

والدولة التي تريد أن تكون مستقلة في قرارها السياسي، يجب أن تكون مستقلة في معلوماتها.

لأنك إذا لم تكن تعرف الحقيقة من أجهزتك، فسوف تبحث عنها عند أجهزة الآخرين.

وإذا أخذت معلوماتك من الآخرين، فمن السهل أن يصبح قرارك جزءاً من حساباتهم.

لهذا أقول:

العراق لا يحتاج فقط إلى شراء طائرات وصواريخ ورادارات.

العراق يحتاج إلى بناء عقل استراتيجي عراقي يرى الصورة كاملة، يجمع المعلومات، يحللها، يربطها، ويتنبأ بالتهديد قبل أن يتحول إلى أزمة.

عندها فقط يصبح لدينا جيش يعرف،
وأمن يعرف،
ومخابرات تعرف،
واستخبارات ترى،
وقيادة سياسية تصلها الحقيقة كاملة قبل أن تتخذ القرار.

الدولة التي ترى مبكراً… يصعب أن تُفاجأ.

أما الدولة التي لا ترى إلا بعد وقوع الحدث، فستبقى طوال الوقت تطفئ الحرائق التي أشعلها الآخرون.

✍️ نزار الحبيب