السبت - 03 اكتوبر 2026
منذ ساعة واحدة
السبت - 03 اكتوبر 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴿سورة آل عمران: 146﴾.

الوَهَن والضَّعف والاستكانة، ثلاثة أحوال لا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا بها لأنفسهم مهما قست الظروف، واشتدت الأزمات، وعظمت التضحيات، هذا ما تدعو إليه الآية الشريفة التي نزلت في سياق الآيات التي تحدثت عن معركة أحد، تلك المعركة القاسية التي دفع فيها المسلمون ثمنًا باهظًا من دمائهم، وانتهت بجرح رسول الله (ص)، وهزيمة المسلمين بسبب عصيان بعضهم أوامره، بعد أن كانت الجولة الأولى لهم.

الآية الكريمة تعظ المسلمين من جهة، وتعاتبهم من جهة ثانية، وتقدِّم لهم نموذجًا تاريخيًا تكرر مع الأنبياء وأتباعهم من الربيين “الذين كانت قلوبهم متجهة دائمًا إلى الله، عارفة به، وهم مطيعون له، قائمون بتكاليفهم” فهؤلاء لم تكن المصائب والخسارات والمِحَن والابتلاءات استثناءً في مسيرتهم، بل كانت جزءًا منها، ولكنها لم توهِن عزائمهم، ولم تُضعفهم، ولم تؤدِّ بهم إلى الاستكانة والمهانة، لأنهم واجهوها بالصبر والرضا واليقين بأن الجولة النهائية ستكون لهم، وأن الله تعالى يعوِّضهم ما بذلوا وما فقدوا.

فيا أيها المؤمنون، تقول الآية الكريمة: أنتم لستم بِدعًا من المؤمنين الذين يواجهون المصاعب والنكبات، لستم وحدكم من فقد أحبته في سوح القتال، ولستم وحدكم من ذاق مرارة النكسة، ولستم وحدكم من هُجِّر من دياره بغير حق، ولا أنتم أول من ضُيِّقَ عليه وحوصِرَ، ولا أول من كُذِّبَ واتُّهِمَ، ولا أول من شُنَّت عليه حروبٌ اقتصادية وحروب نفسية، فهذا هو الطريق الذي سار فيه أهل الإيمان من قبل.

لقد بعث الله عددًا كبيرًا من الأنبياء والرسل الكرام، والتفَّ حول كل واحد منهم أنصار مخلصون مؤمنون، عارفون بالله، ولم تكن الأمور سهلة عليهم، ولم يسلموا من الأذى والتعذيب والتشريد والقتل، ولم تكن طريقهم خالية من العقبات والصعوبات، ولا كانت غاياتهم سهلة المنال، لقد أصابهم الكثير في سبيل الله، تألَّموا كثيرًا، وفقدوا أحبة، وعانوا الشدائد، ولكنهم لم يسمحوا لكل ذلك أن يهزمهم أو يدفعهم إلى الخنوع والاستسلام، أو الانقلاب على الأعقاب، والتخلِّي عن أعز ما يملكون، عن كرامتهم وحريتهم ودينهم.

المؤمنون يتألَّمون بلا شك، إنهم كسائر البشر، لكنهم لا يَهونون، ولا ينهارون، ولا يفقدون الثقة في أنفسهم وفي الله تعالى، ولا يستسلمون للحزن والشعور بالفقد كي لا تُشَلّ إرادتهم، ولا يتراجعون عن قناعاتهم لأن الحق حق وحمله واجب، سواء أكان حامله منتصرًا أم متعرّضًا لضغوط كبيرة.

اللافت أن الآية الكريمة ذكرت المسار الطبيعي للانهيار النفسي، فهو يبدأ من الوَهن، ثم الضعف، ثم الاستكانة. فأما الوهن فهو الضَّعف الذي يصيب الإرادة والقلب، فيشعر الإنسان بأنه لم يعد قادرًا على الاحتمال أو الاستمرار. وعامة الناس يعبرون عن الوهن بقولهم: (تعبنا، وما عدنا قادرين على الاحتمال). الإنسان في هذه الحالة قد يكون سليمًا معافًى، قد تكون في يديه قدرات وإمكانيات، لكن الخلل في إرادته، في ضعف عزمه، ولهذا فإن الوهن هو أخطر ما يصيب الفرد والجماعة. فالجرح، أو فقد الأحبة، أو خسارة الدار، كل ذلك يؤلم الإنسان، لكن الوهن يجعله يستسلم، يخرج من الميدان، وقد يدفعه إلى الانقلاب على ذاته وقناعاته.
والوهن يؤدي إلى الضَّعف، والضعف يؤدي إلى الخضوع والاستسلام (الاستكانة) فحين تضعف إرادة الإنسان يفقد القدرة على العمل، وتعجز النفس عن الاستمرار في أداء ما عليها من تكاليف، وهذا أمر تشهد له التجربة.

وهكذا تنبهنا الآية الكريمة إلى هذه المخاطر الثلاثة: الوهن، والضعف، والخنوع، وتدعونا كجماعة مؤمنة تواجه ألأم وأخبث وأطغى عدو، أن نمنع قلوبنا من الانهيار، وإرادتنا من الضعف، وموقفنا من الاستسلام.

اليوم ونحن نواجه أخطر موجة استعمارية تريد أن تفرض إرادتها المطلقة على المنطقة، قد يفقد البعض ثقتهم بأنفسهم وبأُطُرِهم بسبب بعض الإخفاقات، وبعض قد يعتقد أننا بتنا عاجزين بسبب بعض الصدمات، وبعض ثالث قد يصبح مهزومًا نفسيًا بسبب ما يراه من خسائر، ولعل البعض يقول: “لا فائدة من المواجهة، لن يتغير شيء، ولقد تعبنا، ولم يعد لدينا ما نقدمه”.

هنا تأتي الآية الكريمة لتقول لنا: قد تخسرون جولة، قد تفقدون الكثير من الأحبة، قد يرتحل قادة كبار، قد تتراجع قدراتكم، قد يتأخَّر نزول النصر عليكم، لكن كل ذلك لا يعني الهزيمة، فالهزيمة تتحقق عندما يصيبكم الوهن والضعف والاستكانة والخضوع.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم السبت الواقع في: 3/10/2026 الساعة (05:27)