السبت - 03 اكتوبر 2026
منذ ساعة واحدة
السبت - 03 اكتوبر 2026

​رعد صباح زنكنة ||

 

 

​قديما قال الشاعر ابن نباته: “تعددت الأسباب والموت واحد” اجدني اليوم وأنا أراقب فصول هذه الكوميديا السوداء مدفوعاً لإعادة صياغة هذه الحكمة الخالدة لتلائم زماننا الإداري الأغبر لتصبح بجدارة: تعددت الأسباب والبوگ واحد.

​في مسرح العبث الذي نعيشه يتفنن حيتان الفساد وصغارهم على حد سواء في اختراع المبررات لمد أيديهم إلى المال العام، وهذا يهمس لضميره الميت بأن راتبه البائس لا يكفي فيعتبر السرقة استرداداً للحقوق، وذاك يرى في فساد رؤسائه وتراخي القانون مبررا مشروعاً للمشاركة في الوليمة فيمضي في غيه تحت شعار: إذا كان المدير بالدف ناقراً.. فشيمة الموظفين كلهم الرقص.

​ولعل أبشع صور هذا البوگ، هو ذلك الابتزاز الرخيص الذي يمارس بدم بارد ضد المواطن البسيط في دوائرنا، ليكرس ما بات يعرف بـ الرشوة المقنعة.
معاملة رسمية وقانونية مستوفية الشروط ومكتملة الأركان تحتجز كرهينة في أدراج الموظف المبتز حتى يُدفع المقسوم لاستلامها.

​وفي كل مرحلة ومن نافذة إلى نافذة تصفعك تلك العبارة السمجة التي تُغلف الابتزاز برداء المنة الكاذبة: والله لو ما أني مساعدك جان معاملتك ما كملت! وكأن إنجاز واجبه الوظيفي الذي يتقاضى عليه راتباً من الدولة، قد تحول بقدرة قادر إلى مكرمة شخصية تُشترى بهذه الرشوة المقنعة التي تتخفى بخبث تحت مسميات لا تنسى تعبي و حلاوة المعاملة أو الهدية.

​لقد خلع البواگ المعاصر ثوب اللص التقليدي وارتدى بدلة الموظف الذي يتلاعب بالصلاحيات بمهارة حاو محترف ويطلق على جريمته تسميات ناعمة وبراقة من عينة إكرامية و عمولة أو ببساطة مساعدة.
​النتيجة دائما واحدة ومفجعة حق يصادر بانتظار “توقيع” غائب كان لينهي معاناة المراجعين وموظف يتنعم بما سلبه من جيوب المتعبين، ودولة تستنزف تحت وطأة الروتين والابتزاز.

​لا تصدقوا أبدا دموع التماسيح ولا مبررات الحاجة المفتعلة ولا من يمن عليكم بأداء واجبه تعددت الأعذار وتنوعت الحيل، لكن البوگ والرشوة المقنعة وجهان لعملة واحدة؛ عار لا تمحوه كل مساحيق التبرير الوظيفي، ولصوصية ستبقى هي اللصوصية مهما تجملت بادعاء المساعدة!