السبت - 03 اكتوبر 2026
منذ ساعة واحدة
السبت - 03 اكتوبر 2026

الكاتب والناقد السياسي حسن درباش العامري ||

 

 

 

كثر الحديث في الأيام الماضية عن يوم السيادة، وكثرت التهاني والتبريكات بهذه المناسبة، واحتفلنا بخروج القوات الأمريكية من العراق، وهذا في حد ذاته حدث مهم لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه.لان الشعوب الحرة تريد ان تبقى حرة !
لكنني، وأنا أقرأ كل ما قيل ويقال عن السيادة، وجدت نفسي أتوقف أمام سؤال ربما يكون أهم من الاحتفال نفسه:
كيف تتحقق السيادة؟
هل تتحقق السيادة بمجرد خروج بعض أو كل القطعات العسكرية الأجنبية من أرض الدولة؟
وإذا كان هذا هو المقياس، فماذا عن الوجود العسكري التركي على الأراضي العراقية؟ وهل وجود القوات التركية لا يمس السيادة، بينما وجود القوات الأمريكية كان يمسها؟
لقد بدأت بغداد وأنقرة بالفعل مسارًا لتسليم قاعدة زليكان في بعشيقة تدريجيًا إلى الحكومة العراقية،وان تواطد القوات التركيه لايقتصر على تلك القاعدة فقط ، وهو ما يعني أن الملف التركي ما زال جزءًا من النقاش السيادي نفسه.
ثم إن السيادة ليست بندًا عسكريًا فقط.
السيادة قرار.
والقرار السياسي المستقل هو أحد أهم وجوه السيادة.
فكيف يمكن أن نتحدث عن سيادة مكتملة إذا كان قرار تشكيل الحكومة، أو اختيار رئيس الوزراء، أو تحديد شكل السلطة، يمكن أن يتأثر بإرادة دولة أخرى أو بضغوط خارجية أو بأموال عابرة للحدود؟
أنا لا أقول إن كل علاقة مع دولة أخرى تعني انتقاصًا من السيادة؛ فالدول المستقلة تتبادل المصالح، وتعقد الاتفاقيات، وتتعاون اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا.
لكن الفرق كبير بين التعاون الذي تختاره الدولة بإرادتها، وبين أن تصبح إرادة الدولة رهينة لإرادة الآخرين.
فالدولة ذات السيادة تستطيع أن تقول: نعم، كما تستطيع أن تقول: لا.
وهنا يأتي السؤال الأصعب:
ماذا عن الاقتصاد؟
هل السيادة تتوقف عند الحدود العسكرية؟
أم أن المال والاقتصاد جزء من السيادة أيضًا؟
إن الدولة التي لا تستطيع حماية قرارها الاقتصادي، أو تكون أدواتها المالية والنقدية عرضة لتأثير خارجي يحد من قدرتها على اتخاذ القرار، لا يمكن أن تتحدث عن السيادة وكأنها مجرد علم يرفرف على سارية أو جندي أجنبي يغادر قاعدة عسكرية.
فالسيادة، في معناها الحقيقي، هي قدرة الدولة على إدارة أرضها ومواردها واقتصادها وقرارها السياسي والأمني وفق دستورها وقوانينها ومصالح شعبها.
وهذا ليس رأيًا خارج الدستور العراقي؛ فالدستور نفسه جعل السياسة الاقتصادية والتجارية الخارجية، والسياسة المالية والنقدية، والأمن الوطني، والقوات المسلحة، من الاختصاصات الاتحادية، كما نص صراحة على أن الشعب مصدر السلطات وشرعيتها
(البرلمان)
ثم نصل إلى الجانب العسكري.
أنا لا أرى أن الدولة التي لا تمتلك القدرة على حماية نفسها يمكن أن تكون مكتملة السيادة بالمعنى الواقعي، حتى وإن كانت مكتملة السيادة بالمعنى القانوني.
فالدولة قد تكون ذات سيادة في القانون الدولي، لكنها قد تكون منقوصة القدرة على ممارسة هذه السيادة على أرض الواقع.
وهنا يجب أن نفرق بين الأمرين.
فالعراق، دستوريًا، دولة مستقلة ذات سيادة كاملة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو:
هل نملك من أدوات القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية والمؤسساتية ما يجعل هذه السيادة حقيقة كاملة في الواقع؟
القوة العسكرية وحدها لا تصنع السيادة، كما أن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة استقلال القرار.
ولكن الدولة التي لا تستطيع حماية حدودها، ولا حماية قرارها، ولا حماية اقتصادها، ولا منع الآخرين من التدخل في شؤونها، ستبقى بحاجة إلى الآخرين لحماية ما يفترض أن تحميه هي بنفسها.
ولهذا فإنني أرى أن يوم السيادة يجب ألا يكون يوم احتفال فقط، بل يوم مراجعة أيضًا.
نحتفل بخروج القوات الأجنبية، نعم.
لكن علينا أن نسأل بعد خروجها:
من يحمي القرار العراقي؟ و من يحمي الحدود العراقية؟ و من يحمي الاقتصاد العراقي؟ و من يحمي المال العراقي؟ و من يقرر شكل الحكومة العراقية؟ و من يملك الكلمة الأخيرة عندما تتعارض إرادة العراق مع إرادة دولة أخرى؟
فالسيادة ليست أن نستبدل دولة بدولة.
وليست أن نخرج قوة أجنبية من الباب ثم نسمح لقوة أخرى بأن تدخل من نافذة السياسة أو الاقتصاد أو الأمن.
السيادة الحقيقية هي ألا يكون العراق تابعًا لأحد.
لا لأمريكا، ولا لتركيا، ولا لأي دولة أخرى.
السيادة أن تكون علاقات العراق مع الجميع قائمة على المصلحة والاحترام المتبادل والتكافؤ، وأن يكون القرار في بغداد، وأن يكون الدستور والقانون فوق الجميع.
ولذلك فإنني أرحب بيوم السيادة، لكنني لا أريد أن يتحول هذا اليوم إلى مجرد مناسبة نتبادل فيها التهاني.
أريده أن يكون سؤالًا مفتوحًا أمام الدولة والشعب:
هل خرج الأجنبي من أرضنا فقط، أم خرج تأثيره من قرارنا أيضًا؟
فالسيادة ليست مجرد غياب جندي أجنبي…
السيادة هي حضور الدولة.
وليست مجرد رفع العلم…
السيادة أن يكون القرار الذي تحت العلم عراقيًا.
وليست مجرد امتلاك السلاح…
السيادة أن يكون السلاح بيد الدولة، وأن يكون قرار استخدامه عراقيًا.
وليست مجرد امتلاك المال…ولكن لن يكون بتصرف البنوك الامريكيه او غيرها !
السيادة أن يكون المال العراقي في خدمة القرار العراقي والشعب العراقي.
وعندما نصل إلى تلك المرحلة، نستطيع عندها أن نقول، دون تردد:
هذه هي السيادة التي نريدها للعراق.
بغداد ٢/١٠/٢٠٢٦