السبت - 03 اكتوبر 2026

حين يفقد البيت أمانه.. من المسؤول عن تفشي الجريمة في المجتمع العراقي؟!

منذ 11 ساعة
السبت - 03 اكتوبر 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

لم تعد بعض الجرائم التي نسمع بها في العراق مجرد حوادث جنائية عابرة، بل أصبحت صادمة بطبيعتها ومكان وقوعها وأطرافها، أب يقتل أبناءه، أخ يقتل أخاه بسبب أرض أو مال، أو تتحول الخلافات الزوجية إلى جريمة قتل، يعني أن هناك خللاً إجتماعياً يستحق أن نتوقف أمامه بجدية.

ما شهدته محافظة ميسان مؤخراً من جرائم أسرية مؤلمة يعيد طرح السؤال: ماذا يحدث داخل المجتمع العراقي؟ وكيف وصل الخِلاف داخل الأسرة إلى مرحلة إزهاق الأرواح؟ لا يمكن تحميل الفقر وحده المسؤولية، ولا يمكن القول إن ما بعد 2003 أو الإنفتاح التكنولوجي هو السبب المباشر.

المشكلة أكثر تعقيداً؛ فهي نتيجة تراكمات إقتصادية ونفسية وأسرية وثقافية وقانونية، إلى جانب آثار سنوات طويلة من الحروب والعنف وعدم الإستقرار، تشير بيانات وتصريحات عراقية حديثة إلى إرتباط العنف الأسري بعوامل متعددة، من بينها تعاطي المخدرات والكحول والضغوط الإقتصادية وضعف الدخل، فيما تؤكد دراسات عراقية وجود حاجة إلى تعزيز الحماية القانونية والوقائية للضحايا.

هناك عاملاً أخطر هو تراجع قدرة الأسرة والمجتمع على إحتواء الخِلاف قبل أن يتحول إلى عنف؛ لقد دخلت إلى حياتنا أنماط جديدة من العلاقات والتواصل، وأصبح الهاتف ووسائل التواصل الإجتماعي جزءاً أساسياً من حياة الأسرة، لكنها ليست بذاتها سبب الجريمة.

الخطر يبدأ عندما تجتمع الغِيرة، والشك، والخيانة الزوجية، والإبتزاز، والمخدرات، والفقر، والغضب، والسلاح، مع غياب الحوار والرقابة والحماية، وهنا يجب أن ننتبه إلى أن المشكلة ليست في المحافظات الجنوبية وحدها، ولا في ميسان وحدها؛ العراق كله معني بهذه الظاهرة، والبيانات الرسمية نفسها تظهر أن العنف الأسري قضية وطنية تحتاج إلى معالجة شاملة، كما أن نقص التبليغ يجعل حجم الظاهرة الحقيقي أصعب في القياس.

ماذا نحتاج؟ نحتاج أولاً إلى قانون واضح وفعّال لمناهضة العنف الأسري، مع آليات سريعة لحماية النساء والأطفال وكل شخص معرض للخطر، ونحتاج إلى مراكز حماية وإيواء فعّالة، وخطوط إتصال تستجيب قبل وقوع الكارثة، وليس بعد أن تتحول المشكلة إلى جريمة، ونحتاج إلى ربط الشرطة والمحاكم والصحة والتعليم والخدمات الإجتماعية في منظومة واحدة تستطيع إكتشاف الأسرة التي تعيش مرحلة الخطر والتدخل مبكراً.

كما نحتاج إلى مواجهة المخدرات بحزم، لأنها أصبحت أحد العوامل المرتبطة بالعنف الأسري وفق ما أعلنته الشرطة المجتمعية.

ونحتاج أيضاً إلى معالجة البطالة والفقر والضغط الإقتصادي، ليس لأن الفقر يصنع القاتل بالضرورة، وإنما لأن الضغوط المعيشية عندما تجتمع مع عوامل أخرى قد تزيد التوتر داخل الأسرة.

والأهم من ذلك كله هو إعادة بناء ثقافة الحوار وإحترام الحياة، فالمدرسة مطالبة بالتربية على نبذ العنف، والإعلام مطالب بعدم تحويل الجريمة إلى مادة للإثارة، ورجال الدين مطالبون بتعزيز حرمة الدم والأسرة، والعشائر مطالبة بمنع الثأر والتصعيد، والدولة مطالبة بأن تجعل القانون هو المرجع الوحيد.

إن مكافحة الجريمة لا تعني فقط القبض على المجرم بعد إرتكاب الجريمة؛ بل تعني أن نعرف لماذا وصل إنسان إلى هذه النقطة، وأن نتدخل قبل أن يسقط الضحية.

المجتمع لا يتحول إلى مجتمع عنيف في ليلة وضحاها، إنما تتراكم داخله مشكلات صغيرة تُترك بلا علاج حتى تنفجر في جريمة كبيرة، لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من قتل فقط؟ بل يجب أن نسأل أيضاً: من كان يستطيع أن يمنع الجريمة ولم يفعل؟ وأين كانت الأسرة؟ وأين المدرسة؟ وأين المؤسسات الإجتماعية؟ وأين القانون؟

إذا أردنا عراقاً آمناً، فعلينا ألا نكتفي بمعاقبة الجريمة بعد وقوعها، بل أن نبني مجتمعاً يجعل وقوعها أصعب، ويجعل طلب المساعدة أسهل، ويحمي الطفل والمرأة والرجل والأسرة قبل أن تصل الخلافات إلى نقطة اللاعودة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع ليس أن تزداد الجرائم فقط، بل أن يفقد الإنسان حرمة الإنسان.

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع