السبت - 03 اكتوبر 2026

قال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا.. ﴿سورة آل عمران: 145﴾..!

منذ يوم واحد
السبت - 03 اكتوبر 2026

 السيد بلال وهبي ||

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴿سورة آل عمران: 145﴾

الموت هو الحقيقية المطلقة التي لا ينكرها جاهل فضلًا عن العاقل، وجميع البشر مستسلمون لها، وإنها لحقيقة مشهودة لهم يعايشونها لحظة بلحظة، ففي كل دقيقة هناك شخص يموت في أنحاء هذا العالم، وما يولد الإنسان في الدنيا ليخلد فيها، وإنما يولد ليموت، فكما يخلق الجنين في أحشاء أمه ليولد في الدنيا، كذلك الإنسان يولد في الدنيا ليموت ويرتحل عنها إلى الدار الآخرة، دار القرار، ودار البقاء، ودار الخلود.

وعلى الرغم من ذلك فإن الغالبية العظمى من البشر يفرون من الموت، ولا يفر منه إلا الذي يظن أن العدم يعقبه، أما إذا أيقن أن الموت انتقال من نشأة دنيا إلى نشأة أعلى وأرقى وأنقى فلا يفر منه، بل يتعامل معه كما يتعامل مع أي سُنَّةٍ كونية، وإذا كان قد

عمل للنشأة التالية وتزوَّد لها، فقد يقول حين يحل الموت بساحته، كما قال الإمام أمير المؤمنين (ع): “فُزْتُ ورَبِّ الكَعْبَة”.
ومِمّا لا شك فيه أن الموت قدَرٌ رباني لا مفرَّ منه كما قال سبحانه: نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴿60﴾ عَلَىٰ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿سورة الواقعة: 61﴾.

فكل البشر مصيرهم إلى الموت، أيًّا يكن شأنهم، قال سبحانه مخاطبًا خاتم رُسُلِه وأكرم خلقه: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴿سورة الزمر: 30﴾. وتوقيت ساعة الموت قدَرَ رباني كذلك، أي أن الآجال بيد الله تعالى، وحده يعلم كم يعيش كل واحد من خلقه، ووحده يعلم متى ينتهي أجله، ووحده يعلم في أي أرض يموت، ووحده يعلم السبب الذي يؤدي إلى موته.

هذه حقيقة يدركها جميع البشر، وعلى الرغم من ذلك يظنون أن في إمكان الإنسان أن يفرَّ من الموت، هم لا يُصرِّحون بذلك لأن الفكرة خاطئة، ولكنهم يؤمنون بها في وعيهم الباطن، وتظهر في فلتات ألسنتهم عندما يقولون: (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) ﴿سورة آل عمران: 156﴾. ويقولون: (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا)﴿سورة آل عمران: 168﴾.

في هذا السياق يأتي قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا…) ليصحح منطق أولئك الذين اشتدَّ عليهم استشهاد من استشهد في معركة أحد، حيث اعتبروا أن خروجهم إلى المعركة هو الذي تسبب في مقتلهم، وأنهم لو قعدوا عن الخروج لما قُتِلوا. فالآية لا تتحدث عن الموت بوصفه حادثًا عابرًا، وإنما هو تتحدَّث عنه بوصفه قَدَر كل مخلوق، كما أسلفنا، ومعه لا يمكن الفرار منه إذا حلَّ الأجل ولو احتشد العالم كله ليدفع الموت عنه، وإذا لم يحِن الأجل فلن يموت ولو احتشد العالم كله لقتله، لأن الموت والحياة بيد الله، خالق الحياة والموت.

صحيح أن المنافقين هم الذين قالوا: (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا)، وقد نزلت الآية لتفنِّد زعمهم هذا، لكن هذا المنطق قد يتبنَّاه مؤمنون صادقون وهم يواجهون حربًا شرسة يشنها عليهم عدو مجرم سفّاح، فيقتل أحبتهم ويغتال قادتهم، فيتساءلون: لماذا يموت من نحتاج إليه؟ لماذا يُقتل الأب، أو الابن، أو الأخ، لماذا يُقتَل القائد المُلهَم؟!

هنا أيضًا تحضر الآية الكريمة لتجيب عن هذا السؤال الحاضر بقوة في كل حرب ومنعطف، فتقول: إن حاجتنا إلى الشخص لا تجعله خالدًا، وهذه حقيقة علينا أن نتقبلها ونُسلِّم بها، فالحاجة لا تدفع الموت، ولا توقف أعظم حقائق الوجود، لأن الإنسان لا يملك نفسه، ولا حياته، ولا عمره، ولو كان بقاء الشخص ضرورة لاستمرار مشروعه، لما بقي دين الله ومشروعه بعد موت الرسل والأنبياء، فالرسل جميعًا كانوا بشرًا، لهم أعمار محدودة، ينتهي حضورهم الشخصي، بينما تبقى الرسالة التي حملوها.

إن من طبيعة الحروب العسكرية أن يُقتَل فيها أشخاص من طرفيها، لا يمكن أن تخلو من ذلك، ومن الطبيعي أن يوطِّن المؤمنون وأهل جبهة الحق أنفسهم على أن يفقدوا أبناء وأحبة وقادة في قتالهم مع أهل جبهة الباطل، لا سيما إذا كان أعداؤهم قتَلة مجرمين لا يرعون إلًا ولا ذمة، ويقوم مشروعهم على القتل والتدمير.

أضف إلى ذلك أن الله تعالى محيط خبير بعباده وبما يصلح عليه أمرهم، وهو لطيف بهم؛ فلو كان يعلم أن بقاء الشخص أو القائد ضرورة للمشروع أو لِحَمَلَتِه، فبيده أن يطيل عمره، لكن لكلٍّ أجله الذي لا يتعدّاه، والله تعالى يريد للناس أن يدركوا أن استمرار مشروعهم الإيماني ليس معلّقًا على بقاء الأشخاص.

 بل يمكننا القول -والتجربة تشهد له- إن ارتحال القائد، لا سيما إذا ارتحل شهيدًا، غالبًا ما يعطي دفعًا للمشروع الذي استُشهد في سبيله، ويخلق في النفوس زخَمًا يحتاجه الأتباع لمواصلة الطريق، كما أنه يمثِّل اختبارًا واقعيًا لمدى نضجهم وتماسكهم وثباتهم على مبادئهم.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الجمعة الواقع في: 2/10/2026 الساعة (05:27)