السبت - 03 اكتوبر 2026

قال تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ..﴿سورة آل عمران: 144﴾..!

منذ يومين
السبت - 03 اكتوبر 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا).

قال تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴿سورة آل عمران: 144﴾.

المؤمن الرسالي يرتبط بالرسالة، فالرسول ميِّت لا محالة، لكن الرسالة لا تموت، والمؤمن يقاتل في سبيل الله لا سبيل القائد، ويقاتل من أجل المبدأ سواء كان القائد حيًا أم مضى إلى الله شهيدًا.

ومما لا شك فيه أن من أصعب الاختبارات التي يمكن أن تتعرض لها الجماعة المؤمنة أن تفقد قائدها، فالقائد يكاد يكون محورها الذي تلتف حوله، بل هو روحها التي تمنحها الحيوية والفاعلية، هو الذي يلهمها ويحدد اتجاهها، وينظِّم صفوفها، ويؤطِّر طاقاتها، ومنه تستمد ثقتها بنفسها، ولذلك فإن غيابه قد يترك فراغًا نفسياً وفكريًا كبيرًا، وفقده يمثِّل ثلمة لا يسدها إلا قائد مثله، والقائد الملهم قد لا يتوفَّر له بديل فورًا، فكيف إذا كان نظيره قليلًا؟!

ومن آثار غياب القائد أنه يكشف حقيقة علاقته بالناس وعلاقة الناس به، كما يكشف علاقتهم بالقضية التي نادى بها، وجاهد من أجلها، هل كانوا مرتبطين بالقائد لأنه يعمل من أجل انتصار تلك القضية؟ أم كانوا مرتبطين به لأنهم رأوا فيه قائدًا ربانيًا؟ أم كانوا مرتبطين به لشخصه؟.

هذا السؤال حضر بقوة في معركة أُحُدٍ حين شاع بين المسلمين أن رسول الله (ص) قد قُتل، فاضطربت نفوس كثيرين، ووهنت عزيمة بعضهم، وانكسر بعضهم الآخر، وفرَّ جمع كبير منهم، وكأن موت الرسول (ص) يعني نهاية المعركة ونهاية الطريق.
وهنا نزل الوحي بقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾.

لقد جاءت الآية الكريمة لتحدد العلاقة الصحيحة برسول الله (ص) وبأي قائد رباني من بعده، إن لرسول الله مكانة عظمى عند الله تعالى؛ فهو خير خلقه على الإطلاق، بل إن الله تعالى خلق العالم من نوره (ص) كما جاء في الحديث، وقد فرض الله مودته ومحبته، وفرض له حقوقًا على الأمة يجب عليها أن تؤديها له في حياته وبعد مماته، فالرسول (ص) عظيم، لكن الرسالة التي جاء بها أعظم من أن تنتهي بموته، لأنها ممتدة مستمرة. إنه يموت، لكن رسالته لا ولا ينبغي أن تموت، فهو ليس بِدْعًا من الرسل، ولا حالة منفصلة عن تاريخ الوحي، وإنما هو حلقة في سلسلة طويلة من الرسل الكرام الذين جاءوا برسالة واحدة، وكانت دعوتهم واحدة: أن اعبدوا الله، واجتنبوا الطاغوت.

وما جرى على رسول الله من حيث انتهاء الحياة لا يختص به، بل يجري على سائر القادة الربانيين الذين مضوا على طريقه المقدس. كل منهم حمل الأمانة التي اصطفاه الله لحملها، وقام بالدور الذي عُهِدَ إليه به، ومضى إلى الله، فإذا غاب عن ساحة الدنيا فلا يجوز بحال من الأحوال أن تغيب قضيته، أو أن ينقلب أتباعه على أعقابهم.

إذا مات المعصوم أو القائد الرباني فإن الله لا يموت، ودينه لا يموت، ومنهجه لا يموت، وتكاليفه لا تموت، والمشروع الذي يستشهد القائد من أجله لا يموت، لأن المشروع أكبر من القائد. وحين يستطيع المشروع أن يستمر بعد غياب قائده، فمعنى ذلك أن العلاقة إنما هي بالمشروع والمبدأ والتكليف، وهذه أسمى علاقة بلا ريب، بل يجب أن يكون رحيل القائد حافزًا لأتباعه على متابعة المسير، ومواصلة الطريق، لأنه يترك مشروعه أمانة في أعناقهم.

لا يعني ذلك أن القائد غير مهم، والآية ليست دعوة إلى التقليل من قيمة القيادة، ولا إلى إلغاء دوره، ولكن دوره، على عظمته، هو أن يقود الناس إلى الله، لا أن يجعلهم أسرى لشخصه، القائد ليس هو الغاية، بل يقود الناس إلى الغاية الكبرى. ولهذا فإن من أعظم علامات صدق القيادة الرسالية أنها تربط الناس بالمبدأ الذي جاءت من أجله، لا بذاتها وحدها.

أما أولئك الذين ينقلبون على أعقابهم فلن يضروا الله شيئًا، ولن يتضرر المشروع إن تركوه، إنما الخاسرون هم أنفسهم. ولذلك فإن الانقلاب على الأعقاب ليس عقوبة لله، بل خسارة للمنقلب نفسه. يخسر دينه، وعزته، ويخسر موقعه في مشروع الحق، ويرجع القهقرى إلى الحالة التي أنقذه القائد منها.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الخميس الواقع في: 1/10/2026 الساعة (05:25)