ليس بالصرف وحده يصح التأنيث والتذكير..القاضي والمدعي العام.. أنموذجا..!
أ.د. حسين القاصد ||

تطل علينا بين فترة وأخرى اجتهادات شخصية بدعوى مواكبة العصر، ومنها ما يخص التأنيث والتذكير في لغتنا العربية، ولأن (اللغة ما إن يُنطق بها، حتى وإن ظلت مجرد همهمة، فهي تصبح في خدمة سلطة بعينها) بحسب رونال بارت، فإن بعض الآراء حملت صبغة القرار السلطوي بحكم مناصب قائليها الذين شغلوا مناصب في المؤسسات المعنية باللغة في العالم العربي، وصارت نافذة على حساب الاستعمال العربي،
وهي نافذة في هذا القرار على المستهدفين به، موظفي المؤسسة حصرا، وليس لها أن تنفذ على التراث العربي والاستعمال والتداول السائدين؛ لأن أصحاب هذه الاجتهادات لم يمسوا كلمة (العلّامة) ولم يتمكنوا من حذف تائها المربوطة التي تؤنثها لفظا فقط، ومثلها كلمة (النسابة)، ولم نسمع أن امرأة توصف بـ (العلّامة)، وذهب البلاغيون ليعللوا سر التاء المربوطة ليقولوا إن هذه صيغة مبالغة!! عجباً أليست صيغة المبالغة للفعل: علم يعلم فهو علّام؟ وهذه التاء المربوطة جاءت لأن ليس لأحد أن يبالغ بوصف مخلوق بـ (العلّام) لذلك صار التأنيث اللفظي (علّامة) صفةً للمخلوق لا الخالق.
وإذن، ليس بالصرف وحده يصح التأنيث والتذكير، فقد عرفنا ( حائض) على وزن ( فاعل) لكنها تختص بالمرأة، وقد ورد في الموروث مقولة: ( العزل حيض الرجل) ويراد به أن يعتزل الرجل امرأته في أيام حيضها، أي منعه من كل أداء في هذا الصدد؛ فكيف يحيض الرجل؟ لن يحيض الرجل بايلوجيا، إنما هذا الحيض الدلالي يكون في لحظة يتساوى في العزل هو وامرأته في العزل وتعطيل عمله، لأنه فقد رتبته اضطرارا.
اللغة العربية لغة ذكورية وهي تسير على نسق التغليب، والتغليب للمذكر فيها، ولعل قول المتنبي خير دليل على ذلك:
ولو كان النساء كمن فقدنا لفضلت النساء على الرجال و الشمس ليست أنثى بايلوجيا، ولا القمر ذكرا، إنما التأنيث والتذكير لفظي، وسياقي، واستعمالي تداولت العرب فرسخ، لأنك إذا رأيت عشرة أشخاص، تسع نساء ورجلا واحدا، ستقول: السلام عليكم و (ميم) علامة جمع الذكور.
والعرب لم يتمكنوا من تأنيث كلمة ( الإمام) حتى لو أمّت النساء امرأة منهن، وقالوا((والإمام من يؤتم به أي يقتدى به، ذكرا كان أو أنثى، ومنه: (قامتِ الإمامُ وسطهنّ) وفي بعض النسخ (الإمامة) وترك الهاء هو الصواب؛ لأنه اسم لا وصف))، وهنا تحديدا نرى أن التأنيث أدرك الفعل لرفع اللبس وبيان الجنس وجاء بالفعل ( قامت) بتاء التأنيث ليخبرنا أن التي قامت بإمامتهم امرأة، وهذا هو السائد، إذ نقول: أمرت السيدة المدير العام، وأصدرت السيدة قاضي التحقيق.
وتقول العرب: (مؤذّن بني فلان امرأة) ولم تقل مؤذنتهم، لذلك ليس كل ما يقوله ذو سلطة يسري دائما على اللغة، فما دامت همهمةً بحسب رولان بارت، ستزول بزوال السلطة، وكي نوضح أكثر، فإن الألفاظ التي تدل على الرتبة أو المنصب ليس لها أن تؤنث، فمثلما للإمام والمؤذن من التذكير وعدم تأنيث اللفظة ، يكون التذكير واجبا، في كل الرتب، لأن التذكير هو للرتبة لا للشخص، أما في حال تكليف امرأة بالمنصب، فالتأنيث عليها لا على منصبها، وعلى فعلها لا على سلطتها، فالملازم الأول رتبة بل هو ( اسم رتبة)، والتذكير للرتبة لا للمرأة التي تشغلها، فلا نقول: (الملازمة الأولى)، لأننا سنترك اسم الرتبة ونذهب باتجاه صفة امرأة كانت ملازمة لشيء وسنضطر لطلب الملازمة الثانية، وهنا تخرج لفظة ( الملازم الأول ) من الدلالة على المنصب أو الرتبة إلى معنى خارجهما.
لكن هل نقول هذه مديرة وهذه قاضية أو نسأل: ما وظيفة هذه المرأة؟ الجواب: نعم، لأننا لسنا بصدد المنصب، أما في سياق المنصب فالتذكير ملاصق للمنصب وواجب، وإلا فالنائبة والقاضية ستذهبان إلى دلالتين بعيدتين عن المنصب، هما المصيبة والضربة القاضية، وقد يقول قائل: قد وردت كلمة ( نائبة) في الموروث:
فِي حَالَةِ البُعْدِ رُوحِي كُنْتُ أُرْسِلُهَا
تُقَبِّلُ الأَرْضَ عَنِّي وَهِيَ نَائِبَتي
فنقول: إن الشاعر هنا أرسل روحه لتنوب عنه، وهذه ليست رتبة، فوظيفتها تقبيل الأرض وليس لها ولا له أمر ولا نهي ولا رتبة ولا سلطة.
وفي مثل ذلك في (المدعيّة)، فهي بصفتها في الشكوى مدعية وليست مدعياً ذكرا، لكن حين تشغل منصب المدعي العام، فالتذكير للرتبة والمنصب، لأن الرتبة والمنصب مكّناها أن تدعي عن الجميع، مثلما مكنا التي هي عضو في مجلس النواب لتنوب عن الشعب، فهي نائب، عدا ذلك لها أن تكون نائبة عن زوجها أو أسرتها في أي شأن يخصها ولا يشمل السلطة أو النيابة عن الجميع.




