الاثنين - 21 سبتمبر 2026
منذ يوم واحد
الاثنين - 21 سبتمبر 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

في اليوم الذي أغلق فيه معرض بغداد الدولي للكتاب أبوابه بعد عشرة أيام من الزحام، كان المشهد يكذّب كل من يردد أن “الناس لا تقرأ”. أكثر من 600 دار نشر جاءت من 28 دولة، بين مصرية وسورية ولبنانية وخليجية، وحتى من فرنسا وهولندا والصين،

لتفترش أروقة المعرض بكتب لا تُحصى، وسط برنامج ثقافي حافل بالندوات والأمسيات الشعرية. والمفارقة أن هذا الرقم يتضاعف عاماً بعد عام، فبينما كانت الدورة السابقة قد استقطبت نحو 250 دار نشر فقط، ها هي بغداد، المدينة التي أنهكتها التحولات السياسية، تعيد ترتيب علاقتها بالكتاب بوتيرة تفوق التوقعات.

فكيف نوفّق بين هذا الزحام على الكتب، وبين الرثاء المتكرر لأفول القراءة؟ الحقيقة أن المشكلة ليست في غياب الكتاب، بل في شيء أعمق وأخطر: نحن نفقد قدرتنا على التركيز، لا شهيتنا للمعرفة.

منذ عام 1971 كتب عالم الاقتصاد والنفس هربرت سايمون ملاحظة ما زالت تتردد أصداؤها حتى اليوم: كل وفرة في المعلومات تخلق بالضرورة ندرة في شيء آخر هو الانتباه. يومها كان الرجل يتحدث عن إذاعة وصحف، فما بالك اليوم وقد أصبح كل تطبيق على هاتفك مصمماً هندسياً، بخوارزميات مدروسة، لسرقة ثوانٍ من وقتك وتفكيرك. لم تعد المعركة إذن معركة “كتاب أم لا كتاب”، بل معركة “تركيز أم تشتت”. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين جيل كان يشكو من ندرة المصادر، وجيل يغرق في وفرتها ولا يعرف كيف يسبح.

الباحثة الأميركية مارين وولف، المتخصصة في علم الأعصاب المعرفي، تنبّه في أبحاثها إلى أن الدماغ البشري لم يُخلق أصلاً ليقرأ، بل تعلّم ذلك عبر آلاف السنين، وبنى لنفسه “دارة عصبية” خاصة بالقراءة العميقة تختلف تماماً عن الدارة التي يستخدمها حين يتصفح الشاشة بحثاً عن مثير جديد كل ثانية. وحين يعتاد الدماغ على القفز السريع بين المقاطع القصيرة والإشعارات، فإنه لا يفقد الرغبة في القراءة فحسب، بل يفقد تدريجياً القدرة العضوية على التعمّق في نص طويل. أي أن الخطر ليس ثقافياً فقط، بل فسيولوجي أيضاً، يعيد تشكيل أدمغتنا شيئاً فشيئاً.

ومع ذلك، فإن ما شهدته بغداد يقول شيئاً مختلفاً ومطمئناً: الإنسان، حتى في ذروة عصر الشاشات، يظل يبحث عن لحظة يتوقف فيها الزمن، يمسك فيها كتاباً بيده، ويشعر أن هذا الفعل البسيط هو نوع من المقاومة الهادئة. فمعرض الكتاب ليس مجرد سوق لبيع الورق، إنه طقس جماعي يعيد للقراءة بعدها الاجتماعي الذي كادت الشاشات أن تنتزعه منها؛ فهناك، بين الأروقة، يلتقي القارئ بكاتبه، ويتحاور القراء حول عنوان واحد، وتُصنع صداقات على هامش رفوف الكتب. هذا البعد الجماعي هو ما لا يمكن لأي خوارزمية أن تصنعه، مهما كانت ذكية.

غير أن الصورة الوردية لهذا الزحام تحتاج إلى تدقيق أقرب إلى الأرض. فالعبارة المتداولة قبل كل زيارة للمعرض، على اختلاف الأعمار والمستويات، “خل اروح اشوف شكو ماكو، الجو حلو ونكضي وكت”، تكشف بصدق أن نسبة كبيرة من الحضور لا تذهب بحثاً عن عنوان بعينه، بل بحثاً عن نزهة رخيصة في جو معتدل. وفي أروقة كثيرة من المعرض، تبيع الأكسسوارات والمشغولات اليدوية أكثر مما تبيعه أجنحة الكتب نفسها، خصوصاً بين الشابات والشباب الذين يجدون في المعرض فرصة للتسوق أكثر منها فرصة للقراءة.

بل إن كثيرين ممن يمرون بين الرفوف لديهم في الحقيقة أعمال أخرى بعيدة كل البعد عن الكتاب: موعد عمل، أو مهمة رسمية، أو مجرد استراحة من روتين اليوم. وللمعرض أيضاً وظيفة اجتماعية غير معلنة لا تقل انتشاراً: فهو محطة مثالية لمواعيد المراهقين، ذكوراً وإناثاً، الذين يجدون فيه غطاءً مقبولاً اجتماعياً لقضاء وقت مشترك بعيداً عن الكتاب ورفوفه.

وليست حضور الدوائر والمؤسسات الحكومية بريئة دائماً من حسابات أخرى، إذ تحرص بعض الوزارات على إدراج المشاركة ضمن جدول أعمالها السنوي وموازناتها المرصودة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة رقابة صارمة على أوجه الصرف.

وإذا صحّ الانطباع الذي يتناقله كثير من العاملين في المعرض والمهتمين به، فإن من يذهب فعلاً بدافع القراءة والاقتناء الجاد لا يتجاوز نسبة محدودة من مجموع الزوار، ربما لا تتعدى عُشرهم، بينما البقية توزّعهم أسباب أخرى لا علاقة لها بالكتاب في جوهرها.

هذا التناقض بالذات هو ما يمنح السؤال حدته الحقيقية: كم من هذه الكتب التي تُشترى بحماسة يوم المعرض، تُقرأ فعلاً بعد أسبوع؟ وكم منا يشتري الكتاب كطقس رمزي، انتماءً لهوية المثقف أو مجاراة للمناسبة، أكثر مما هو التزام حقيقي بإكماله؟

دراسات عالمية عديدة تشير إلى فجوة متسعة بين “اقتناء الكتاب” و”إنجازه”، وهي فجوة تتسع كلما ازداد إغراء المحتوى المرئي القصير، وتتسع أكثر حين يتحول المعرض نفسه إلى فسحة اجتماعية عامة أكثر منه محطة معرفية. فالمعرفة اليوم لم تعد تُقاس بعدد الكتب المباعة في المعارض، ولا حتى بعدد زوارها، بل بعدد الصفحات التي أُكملت بوعي وتركيز حقيقيين، خارج صخب الأروقة وضجيج الحشود.

ربما يكون الحل إذن ليس في الدفاع عن الكتاب الورقي ضد الشاشة، ولا حتى في الاحتفاء بأرقام الزوار والدور المشاركة وحدها، بل في إعادة تدريب أنفسنا، كما نُدرّب عضلة أُهملت طويلاً، على البقاء مع فكرة واحدة لأطول وقت ممكن، من دون أن نتقافز بين عشرين نافذة رقمية مفتوحة في آنٍ واحد. فالقراءة الحقيقية ليست استهلاكاً سريعاً للمعلومة، ولا طقساً موسمياً يمارَس مرة في العام تحت مظلة معرض، بل تمرين يومي على الصبر، وعلى مقاومة إغراء الفوري والسطحي، لصالح ما هو عميق وبطيء ومُشبع.

وبعد أن أغلقت بغداد أبواب معرضها هذا العام في الثاني عشر من الشهر، بعد أن استقبلت مئات دور النشر وآلاف الزوار، يبقى السؤال الحقيقي معلقاً في الهواء: أمة اقرأ، هل ما زالت تقرأ حقاً؟ الجواب لا يكمن في عدد الكتب المباعة في المعارض، ولا في عدد من دخل بواباتها، بل في كل مساء نختار فيه بين فتح كتاب أو فتح شاشة. فالنجاة اليوم لم تعد في المعرفة وحدها، بل في القدرة على البقاء متيقظاً وسط كل هذا الضجيج.