العراق بين التطبيع والرفض الشعبي..!
الشيخ أكبر علي الشحماني ||

مقدمة
يمثل موضوع التطبيع مع إسرائيل في العراق قضية سياسية وقانونية وشعبية شديدة الحساسية، لأنه يرتبط بموقف العراق من القضية الفلسطينية، وبالتاريخ السياسي للصراع العربي–الإسرائيلي، وبمفهوم السيادة الوطنية. وفي الوقت الذي شهدت فيه المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة مسارات مختلفة نحو إقامة علاقات مع إسرائيل، اختار العراق قانونياً مساراً مختلفاً، إذ أقرّ قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني رقم (1) لسنة 2022.
وفي المقابل، تكشف استطلاعات الرأي عن وجود رفض شعبي واسع للتطبيع داخل العراق، مع وجود اختلافات في المواقف بين بعض المناطق والفئات الاجتماعية.
أولاً: الموقف القانوني العراقي
أصدر مجلس النواب العراقي عام 2022 قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني، ونُشر القانون في الوقائع العراقية الرسمية في حزيران/يونيو 2022. ويعكس القانون توجهاً تشريعياً واضحاً في منع إقامة علاقات التطبيع مع إسرائيل وتجريم عدد من صور التعامل معها.
وبذلك أصبح موقف العراق من التطبيع لا يقتصر على المواقف السياسية أو البيانات الرسمية، وإنما يستند أيضاً إلى إطار قانوني صادر عن السلطة التشريعية.
ثانياً: الرفض الشعبي للتطبيع
تشير بيانات الباروميتر العربي إلى أن رفض التطبيع كان واسعاً بين العراقيين في استطلاع أُجري خلال 2021–2022؛ إذ قال 71% إنهم يعارضون التطبيع بشدة، و14% يعارضونه، مقابل 9% يؤيدونه و5% يؤيدونه بشدة. أي أن مجموع المعارضين بلغ 85% مقابل 14% للمؤيدين.
كما أظهر الاستطلاع وجود اختلاف جغرافي؛ فقد بلغ تأييد التطبيع 27% بين سكان إقليم كردستان المشاركين في الاستطلاع، مقابل 13% بين سكان المناطق الخاضعة للحكومة الاتحادية. وهذه الأرقام توضح أن المجتمع العراقي ليس كتلة واحدة في مواقفه، مع بقاء الرفض هو الاتجاه الأوسع في البيانات المذكورة.
ثالثاً: تأثير القضية الفلسطينية
لا يمكن فصل الموقف العراقي من التطبيع عن القضية الفلسطينية. فالحرب في غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 أثرت بصورة واضحة في اتجاهات الرأي العام العربي تجاه إسرائيل والتطبيع معها. ويشير الباروميتر العربي إلى أن التأييد للتطبيع ظل منخفضاً في الدول التي شملتها دراساته خلال 2023–2024.
وهذا يعني أن التطبيع في الحالة العراقية لا يُناقش باعتباره مجرد علاقة دبلوماسية بين دولتين، بل يرتبط لدى قطاعات واسعة من المجتمع بموقف العراق من فلسطين والصراع الإسرائيلي–الفلسطيني.
رابعاً: بين الدولة والمجتمع
تطرح قضية التطبيع سؤالاً مهماً حول العلاقة بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي. فالدولة العراقية تمتلك مؤسسات دستورية وتشريعية تحدد السياسة والقوانين، بينما يمتلك المجتمع موقفاً عاماً يتشكل من التاريخ والهوية السياسية والثقافية والدينية والقضية الفلسطينية.
وفي الحالة العراقية، يلاحظ وجود تقارب واضح بين الإطار القانوني الرافض للتطبيع وبين اتجاهات الرأي العام التي تظهرها استطلاعات الرأي، مع وجود اختلافات داخل المجتمع العراقي في درجة التأييد والرفض.
خامساً: هل يمكن أن يتغير الموقف مستقبلاً؟
تغيير الموقف العراقي من التطبيع، إن حدث، لن يكون مجرد قرار سياسي منفصل، بل سيتأثر بعدة عوامل، منها:
تطورات القضية الفلسطينية.
مستقبل الحرب والصراع في المنطقة.
أي تسوية سياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
الموقف الشعبي العراقي.
السياسة الخارجية للحكومات العراقية.
العلاقة بين العراق والقوى الإقليمية والدولية.
مستقبل القانون العراقي الخاص بتجريم التطبيع.
وتشير بيانات حديثة للباروميتر العربي إلى أن بعض المواقف العربية من التطبيع يمكن أن تتغير إذا تحقق اعتراف إسرائيلي بدولة فلسطينية؛ وفي العراق ارتفع التأييد المفترض للتطبيع 19 نقطة مئوية في هذا السيناريو ضمن الاستطلاع الذي أورده المصدر.
خاتمة
يقف العراق أمام معادلة واضحة: إطار قانوني يجرّم التطبيع، ورأي عام يميل بصورة واسعة إلى رفضه، مقابل بيئة إقليمية شهدت خلال السنوات الماضية تحولات في العلاقات العربية–الإسرائيلية.
لذلك فإن فهم موقف العراق من التطبيع يحتاج إلى النظر إلى ثلاثة مستويات مترابطة: القانون، والموقف الرسمي، والرأي العام. وتُظهر البيانات المتاحة أن الرفض الشعبي يمثل اتجاهاً واسعاً، مع وجود تباينات داخل المجتمع العراقي، ما يجعل ملف التطبيع من القضايا التي تتقاطع فيها السياسة الخارجية مع التشريع والهوية الوطنية والموقف من القضية الفلسطينية.




