كلچن يا مظلومات للكاظم امشن.. وعند سيد السادات ذبن حزنچن..!
د. أمل الأسدي

سألني أحدُ الإخوةِ الصحفيين عن مقالاتي، وقال لي: إنَّ أغلبَ ما تكتبين لا بدَّ أن يكونَ فيه ذكرٌ لأهلِ البيتِ (عليهم السلام) فهل من المعقولِ أن تكونَ حياةُ الناسِ كلُّها مرتبطةً بذكرِ أهلِ البيتِ؟
فقلتُ له: أنا لا أصنعُ هذه الصورةَ، إنما أتحدثُ عن تفاصيلِ حياةِ الناسِ اليوميةِ كما عاشوها؛ وهي حياةٌ لم يبتعدوا فيها عن أهلِ البيتِ (عليهم السلام) في أفراحِهم وأحزانِهم وأغانيهم وأهازيجِهم وموروثِهم الشعبيِّ.
ألا ترى المقطعَ المُغنّى المشهورَ الذي يقولُ:
كلچن يا مظلومات للكاظم امشن
وعند سيد السادات ذبن حزنچن
وهذا المقطعُ مرتبطٌ بعادةٍ اجتماعيةٍ قديمةٍ؛ إذ كانت أغلبُ النسوةِ، بعد فقدِ أحدِ أفرادِ الأسرةِ، كأن تفقدَ المرأةُ زوجَها أو أخاها أو أباها، تلتزمُ السوادَ مدةً قد تمتدُّ عاماً أو أكثرَ تعبيراً عن الحزنِ والوفاءِ للفقيدِ، وبعد انقضاءِ تلك المدةِ يذهبن إلى حضرةِ الإمامِ موسى بن جعفرٍ عليه السلام طلباً للبركةِ، وتوديعاً للحزنِ، وتفاؤلاً بمرحلةٍ جديدةٍ، فتبدلُ المرأةُ في الحرمِ قطعةً من لباسِها الأسودِ بقطعةٍ ملونةٍ، كالشالِ أو السترة، ومن هنا جاء قولُهم: “ذبن حزنچن”، أي ودعن الحزنَ في الحضرةِ.
وبغضِّ النظرِ عن الحمولاتِ السياسيةِ والتاريخيةِ التي تحملُها هذه الأغنيةُ، فإنَّها تكشفُ أيضاً عن الواقعِ الاجتماعيِّ والسياسيِّ الذي كان يعيشُه الناسُ؛ ففي عهدي الاحتلالِ العثمانيِّ والبريطانيِّ كثرت أسبابُ الموتِ، بين مقاومةِ الاحتلالِ وما رافقها من ظلمٍ وبطشٍ، وبين المرضِ والفقرِ وقسوةِ العيشِ، حتى غدا الحزنُ حالةً عامةً وغالبةً، وبلغ من حضورِه أن انعكسَ في أغاني الناسِ وموروثِهم الشعبيِّ.
وكانت المرأةُ العراقيةُ تتحملُ جانباً كبيراً من أعباءِ تلك الحياةِ القاسيةِ، فتعملُ في النسيجِ والخياطةِ، وفي ما يُسمى “الشيرازة، تشريز العبي” لتعينَ أسرتَها على ظروفِ العيشِ الصعبةِ.
ولهذا فإنَّ حضورَ أهلِ البيتِ عليهم السلام في الموروثِ الشعبيِّ ليس أمراً مصطنعاً ولا إضافةً طارئةً، بل هو جزءٌ من وجدانِ الناسِ ومن تفاصيلِ حياتِهم اليوميةِ، وهو واقعُنا الاجتماعيُّ والثقافيُّ، فلماذا نستمرُّ في إخفائِه أو تزويرِه؟
وكلُّ الشعوبِ تُظهرُ هويّتَها ولهجاتِها وعاداتِها ومعتقداتِها وثقافاتِها في أعمالِها الدراميةِ، وصحافتِها، وأدبِها ، فلماذا يُطلبُ من العراقيِّ أن يتنكرَ لهويتِه وملامحِه حتى يكونَ مقبولاً؟
إنَّ المشكلةَ ليست في ظهورِ هويتِنا، بل في هذه الدونيةِ التي أُريدَ لها أن تجعلَنا نخجلُ منها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




