هندسة التوازنات… لماذا تمثل برلين القاطرة الصلبة في الأستراتيجية الأوربية للعراق؟!
المهندس يونس الكعبي ||
15 أيلول 2026

تشهد التحركات الدبلوماسية الخارجية لرئاسة الوزراء العراقية تحركاََ نوعياََ في طريقة التعاطي مع المحاور الدولية ، حيث جاءت زيارة برلين كخطوة أستراتيجية وثيقة الصلة بالتمدد العراقي أوربياً بعد محطة فرنسا. لا تقرأ هذه الخطوات بروتوكولياََ فقط ، بل تعكس أدراكاََ عميقاََ لموازين القوى في القارة العجوز ، ومحاولة جادة للخروج من معادلة الأستقطاب الضيقة نحو فضاء أستثماري وتنموي أكثر أستقراراََ.
تعد ألمانيا المحرك الأقتصادي والقلب الصناعي للأتحاد الأوربي ؛ فأذا كانت باريس تمثل السياسة والدبلوماسية والقوة العسكرية الناعمة في القارة الأوربية ، فأن برلين تمثل التكنولوجيا ، والسيادة الصناعية ، وقوة رأس المال.
أقتصادياََ ، أبعاد العلاقات مع برلين تمنح المبادرات الشراكة غطاءََ تنموياََ رصيناََ لا يتأثر كثيراََ بالتقلبات السياسية الطارئة.
سياسيا ، تتسم السياسة الخارجية الألمانية بالبراغماتية والتكتم الشديد ، حيث تركز على المشاريع السياسية الملموسة والحلول المستدامة بعيداََ عن الأستعراضات الأعلامية.
خلف التصريحات الدبلوماسية ، يحمل رئيس الوزراء العراقي ملفات حيوية لحسمها مع الجانب الألماني أهمها:
* أنهاء عقدة الطاقة (عقد سيمنس) ، بغداد ترغب الأنتقال من المذكرات الأولية مع شركة سيمنس إلى تنفيذ عقود حاسمة وملزمة لتأهيل شبكة الكهرباء في العراق وأستثمار الغاز المصاحب.
* تأمين غطاء تكنولوجي لمشروع طريق التنمية ، فالعراق يبحث عن سكك حديد متطورة وقطارات فائقة السرعة ، ومنظومات ذكية لإدارة السكك الحديد والموانيء ، وهذه تجيدها المانيا وربما تتفوق فيها ، والعراق يسعى للحصول على هذه التكنولوجيا المتقدمة من ألمانيا.
* التوازن وأستقلالية القرار الأمني ، فبغداد تسعى للأستفادة من الخبرات الألمانية في الأستخبارات ومكافحة الأرهاب كبديل أو مكمل تقني لا يحمل أشتراطات سياسية مكبلة.
* ملف اللاجئين المعقد ، فبرلين تضغط على بغداد في ملف أستعادة المهاجرين غير الشرعيين ، فيما يحاول العراق مقايضة هذا الملف بدعم تنموي وبرامج تدريب مهني للشباب داخل ألمانيا.
هناك توازنات معقدة وحساسة للغاية يقف العراق في منتصفها ، وتتمثل بالتوازنات بين علاقات العراق وأمريكا وتركيا والأتحاد الأوربي ودول الجوار ، وهي بلا شك توازنات صعبة ومعقدة للغاية فرضتها الظروف السياسية التي مر بها العراق وطبيعة النظام السياسي في العراق ، فاليوم رئيس الوزراء العراقي يقف أمام أختبار جيوسياسي بالغ الدقة للنجاح في هذه الأستراتيجية ، فمن جهة لا يستغني العراق عن الجانب الأمريكي في الملفات المالية والنقدية وأمن المحيط الأقليمي ، إلا أن فتح الآفاق مع ألمانيا وفرنسا يقلل من الأرتهان الكلي لجهة واحدة ويمنح بغداد هامشاََ للمناورة.
فيما يخص تركيا والتزامات العراق معها في طريق التنمية وباقي الملفات الشائكة ، نجد أن الألتزامات السابقة مع تركيا حول الممرات التجارية وخطوط الأنابيب النفطية تعتمد نجاحها أساساََ على التقنية الأوربية (ألمانيا تحديداََ) لأكمال البنية التحتية. وبالتالي ، فأن الأتفاق القادم مع برلين يكمل هذه المعادلة ولا يناقضها ، فقط نحتاج إلى حسن أدارة هذا الملف بعناية وخبرة بحيث نوظف هذه التوازنات لصالح العراق بدون خسارة اي طرف.
تكمن فرص النجاح في تحويل العراق من ساحة نفوذ وتصفية حسابات إلى سوق أستثماري وممر ترانزيت عالمي متكامل (موانيء ، سكك حديد ، طرق برية سريعة) ، شريطة حماية هذه العقود والتفاهمات من البيروقراطية الداخلية والضغوطات الحزبية.
أن التحرك بأتجاه برلين بعد باريس يمثل خطوة مدروسة لتطويق الأزمات الهيكلية للبلاد (كالكهرباء والبنية التحتية) بالحلول الألمانية الرصينة. وحال أستمر هذا المنهاج التوازني ، فأن المحصلة النهائية ستكون تثبيت العراق كفاعل أقتصادي وأقليمي لا يمكن تجاوزه.




