الشيخ أبو سعيد الأزرقي.. بقية الجهاد وذاكرة المهجر..!
سالم رحيم عبد الحسن ||
14/9/2026

هناك أشخاص ورموز لا تفارق الذاكرة، لا لأنهم سعوا إلى تخليد أسمائهم، ولا لأن الظروف منحتهم فرصة الوقوف في الصفوف الأولى من المشهد، وإنما لأنهم تركوا في حياة من عاصرهم أثراً لا تمحوه السنوات. هؤلاء ينبغي أن ننصفهم وهم أحياء، وأن نقول لهم ما يستحقونه من كلمة حق، لا أن نؤجل شهادتنا إلى ما بعد الرحيل، كما جرت العادة في كثير من الأحيان.
وأبو سعيد الأزرقي واحد من أولئك الذين بقيت صورهم حاضرة في الذاكرة.
وشهادتي بحقه، بلا شك، مجروحة؛ فقد جمعتني به علاقة تجاوزت حدود المعرفة العابرة، ووصلت إلى الأخوة ورفقة الأهوار والمهجر، وجمعتنا أيام لم تكن سهلة، لكنها كانت من تلك الأيام التي تصنع الرجال وتترك في الذاكرة ما لا تستطيع السنوات أن تمحوه.
وحين أستعيد تلك المرحلة، أجدني أتوقف عند سؤال طرحته زوجتي أم علي ذات مرة بعفوية وصدق، ونحن في جلسة، نستعيد ذكريات الأيام الصعبة ونستذكر المواقف والرجال.
قالت لي:
لماذا بيت مجبل لم يستلموا مناصب بعد زوال البعث، وهم أهل الجهاد؟
كان سؤالها بسيطاً في عبارته، لكنه كبير في دلالته.
ولم أجد في السؤال غرابة، لأن من عاش تلك المرحلة يعرف أن بيت مجبل لم يكونوا بعيدين عن طريق الجهاد، ولم تكن علاقتهم به علاقة عابرة أو طارئة فرضتها ظروف سياسية لاحقة. ففي الميمونة كانت لهم بصمة مبكرة في العمل الجهادي، وأسهموا في نسج خيوط حركة ح ز ب الله، وكان لهم سبق في طريق لم يكن يومها طريقاً إلى منصب أو جاه، بل طريقاً محفوفاً بالخوف والملاحقة والسجن والغربة.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف.
فكثيرون يتحدثون عن مرحلة ما بعد سقوط النظام، وعن المواقع التي شغلها هذا الطرف أو ذاك، وعن الأسماء التي تقدمت إلى واجهة المشهد الجديد، لكن القليلين يسألون عن أولئك الذين دفعوا ثمن مواقفهم في زمن لم تكن فيه المناصب موجودة أصلاً، ولم يكن الجهاد بالنسبة إليهم مشروعاً للحصول على مكاسب سياسية في المستقبل.
كان الموقف آنذاك موقفاً لوجه الله والوطن والقضية كما آمنوا بها، وكانت الغربة قدراً على كثير منهم، وكان الوطن حاضراً في الذاكرة أكثر مما كان حاضراً في الجغرافيا.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن أبي سعيد الأزرقي.
فهو بالنسبة لي ليس اسماً منفرداً عن سياقه، وإنما هو جزء من ذاكرة جيل عاش الجهاد والمهجر، وعرف معنى أن يحمل الإنسان وطنه معه وهو بعيد عنه. والمهجر ليس مجرد مكان يقيم فيه الإنسان خارج بلده؛ إنه امتحان طويل للذاكرة والانتماء والصبر.
في المهجر، تتغير الأشياء كلها تقريباً، إلا ما يحمله الإنسان في داخله.
تتغير المدن، والوجوه، واللغة، وتفاصيل الحياة، لكن تبقى الذاكرة حاضرة، ويبقى الوطن بما يحمله من أهل ورفاق ومواقف هو المساحة التي يعود إليها الإنسان كلما ضاقت به الغربة.
ولذلك فإن استذكار أبي سعيد الأزرقي اليوم هو استذكار لجزء من تلك الذاكرة؛ ذاكرة الميمونة والأهوار، وذاكرة الرفاق، وذاكرة المهجر، وذاكرة الأيام التي كان فيها الإنسان يعرف قيمة الموقف لأنه كان يعرف ثمنه.
ولست هنا بصدد صناعة بطولة لأحد، ولا إعادة كتابة التاريخ وفق رغبات الحاضر. فالرجال الحقيقيون لا يحتاجون إلى المبالغة في وصفهم، لأن مواقفهم تكفي. وما نحتاجه هو الإنصاف، والإنصاف يعني أن نضع الأشخاص في مواقعهم الحقيقية داخل سياق المرحلة، وأن نعترف بما قدموه، سواء أفضى ذلك إلى منصب أم لم يفضِ.
ولعل سؤال أم علي عن بيت مجبل يلخص جانباً من هذه القضية:
هل كل من يستحق التقدير نال حقه؟
وهل أصبح معيار الاعتراف بتاريخ الرجال هو ما حصلوا عليه بعد سقوط النظام، أم أن هناك تاريخاً آخر ينبغي أن يُقرأ، هو تاريخ الذين دفعوا ثمن مواقفهم قبل أن تتغير الظروف؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست سهلة، لكنها ضرورية إذا أردنا أن نكتب تاريخاً منصفاً.
فالتاريخ لا ينبغي أن يكون سجلاً للمناصب، بل سجلاً للمواقف أيضاً.
وأبو سعيد الأزرقي، في ذاكرتي، ينتمي إلى ذلك النوع من الرجال الذين تسبق مواقفهم مواقعهم. وربما لم يحصل كثير من أبناء تلك المرحلة على ما يتناسب مع حجم ما قدموه، لكن ذلك لا يلغي أثرهم، ولا يمحو حضورهم في ذاكرة من عاش معهم وعرفهم عن قرب.
إن أجمل ما يمكن أن نقدمه للرجال الذين شاركونا تلك الأيام هو أن نقول الحقيقة عنهم وهم أحياء، وأن نعيد إليهم شيئاً من حقهم المعنوي، لا أن ننتظر رحيلهم حتى نكتشف فضائلهم.
لقد آن الأوان لأن نكتب ذاكرة تلك المرحلة بعيون من عاشها، لا بعيون من جاء بعدها فقط.
وأن نتذكر أن الجهاد ليس دائماً قصة انتصار سياسي، وأن المهجر ليس دائماً صفحة غربة، وأن بعض الرجال قد يخرجون من المشهد السياسي، لكنهم لا يخرجون من ذاكرة من عرفهم.
ولهذا أكتب عن أبي سعيد الأزرقي.
أكتب عن رفيق الأهوار والمهجر، وعن رجل بقيت صورته مرتبطة بمرحلة من أصعب مراحل العراق، وعن ذاكرة لا أريد لها أن تضيع
بين صخب الحاضر ونسيان الماضي.
فبعض الرجال لا يحتاجون إلى منصب كي يكون لهم تاريخ، ولا إلى احتفال كي يكون لهم حضور.
يكفي أنهم كانوا هناك… حين كان الموقف له ثمن.
وأبو سعيد الأزرقي واحد من أولئك الذين يستحقون أن نقول لهم، وهم بين ظهرانينا:
شكراً لأنكم كنتم جزءاً من تلك الذاكرة، وشكراً لأن مواقفكم بقيت شاهدة عليكم.
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أقول لأخي العزيز أبي سعيد الأزرقي: ألف ألف مبروك تسنّمكم مسؤولية إدارة مكتب ميسان لح رك ة الج ه اد وال بن اء، وهي مسؤولية نأمل أن تكون امتداداً لما حملتموه من تجربة ومواقف، وأن توفقوا في أداء هذه المهمة بما يخدم ميسان وأهلها، ويحفظ للمرحلة رجالها وذاكرتها.



