الاثنين - 14 سبتمبر 2026

لننسَى صَدام الأمس.. ولنُحارب صَدام اليوم..!

منذ ساعتين
الاثنين - 14 سبتمبر 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

من الغريب أن نرى ونسمع بين فترة وأخرى محاولات لإعادة إحياء أسماء وأفكار ظن العراقيون أنها أصبحت جزءاً من الماضي، وفي مقدمتها صدام حسين وفكر البعث، وربما يدفع سوء الواقع الحالي بعض الشباب، الذين لم يعيشوا تلك المرحلة، إلى النظر إلى الماضي من خلال صور منتقاة أو روايات تتحدث عن القوة والإنضباط، متناسين الثمن الذي دفعه العراق وشعبه.

وهنا يجب أن نقول بوضوح: فشل الحاضر لا يمنح الماضي شهادة براءة، فصدام حسين وحزبه إنتهى، لكن السؤال الأهم: هل إنتهى الفكر الذي أنتج الإستبداد والحروب والعزلة وتقديس الفرد؟

لقد إمتلك العراق في مراحل سابقة موارد هائلة، وعقولاً وكفاءات، وموقعاً إستراتيجياً، وكان قادراً على أن يكون في مصاف الدول المتقدمة؛ لكن الحروب والمغامرات السياسية وسوء إدارة العلاقات مع دول الجوار والعالم إستنزفت البلاد وأدخلتها في أزمات دفع الشعب العراقي ثمنها لسنوات طويلة.

أما فكر البعث، كما تجسد في تجربته العراقية، فلم يقدم نموذجاً قادراً على بناء دولة حديثة ومستقرة؛ فالدول لا تُبنى بالشعارات، ولا بالخوف، ولا بتحويل القائد إلى رمز فوق الدولة والشعب، الدول تُبنى بالعِلم والإقتصاد والإدارة والحريات والقانون والعلاقات المتوازنة مع العالم.

لذلك، فإن رفض عودة البعث لا ينبغي أن يكون مجرد موقف من الماضي، بل موقفاً من كل فكر يريد إعادة إنتاج الماضي، ومن كل عقلية تؤمن بأن الوطن مُلك لشخص أو حِزب، وأن الشعب مجرد تابع لا يملك حق السؤال والمحاسبة.

لننسَى صدام الأمس، ولنحارب صدام اليوم، فـ«صدام اليوم» قد لا يحمل الإسم نفسه، وقد لا يرتدي الزي نفسه، لكنه يظهر في كل مسؤول يريد أن يكون فوق القانون، وفي كل حزب يحتكر الدولة، وفي كل فاسد ينهب المال العام، وفي كل سياسي يعتقد أن السلطة ملك شخصي، وفي كل من يقود العراق نحو أزمة جديدة.

لكن علينا أيضاً أن نكون صادقين: لا يمكن أن نحارب إستبداد الأمس ونصمت على فساد اليوم، ولا أن نرفض الحزب الواحد ثم نقبل بالمحاصصة، ولا أن نرفض تقديس الفرد ثم نصنع أصناماً جديدة.

إلى شباب العراق أقول: لا تجعلوا سوء الحاضر يدفعكم إلى تمجيد أخطاء الماضي، ولا تجعلوا اليأس يقنعكم بأن العراق إنتهى، العراق يمتلك أكثر من خمسة وأربعين مليون إنسان، وفيه من العقول والكفاءات ما يكفي لبناء دولة حقيقية إذا أُعطيت الفرصة لأصحاب الكفاءة والنزاهة.

العراق لا يحتاج إلى بعث جديد، ولا إلى دكتاتور جديد، ولا إلى أصنام جديدة، العراق يحتاج إلى دولة، لا إلى زعيم فوق الدولة، ويحتاج إلى قانون، لا إلى حزب فوق القانون، ويحتاج إلى مستقبل، لا إلى إعادة تدوير الماضي.

فلننسَى صدام الأمس، ولنحارب كل صدام جديد، وكل فكر يريد أن يعيد العراق إلى الوراء، فالعراق لن يبنيه الموتى، بل سيبنيه أبناؤه الأحياء.

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع