قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴿سورة البقرة:152﴾..!
✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴿سورة البقرة:152﴾
ما معنى أن يذكر الإنسان ربَّه، حتى يكون جزاؤه أن يذكره الله؟
إن أول ما يلفت النظر في الآية الكريمة أن الله سبحانه، بعظمته وجلاله، يجعل ذكر العبد له مدخلًا لذكر الله لعبده: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. ومن المقطوع به أن الله لا ينسى عباده ثم يتذكرهم عندما يذكرونه، تعالى الله عن ذلك. وإنما هي إشارة إلى علاقة تربوية وتكوينية: حين يستحضر الإنسانُ اللهَ في وعيه، يكون جديرًا أن تحيط به رحمته وهدايته وعنايته.
ولهذا لا يمكن اختزال الذكر في حركة اللسان، فقد يقول الإنسان: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، أو يقرأ دعاءً، أو يتلو شيئًا من القرآن، ثم يعيش بعيدًا عن الله في خياراته وقراراته ومواقفه وعلاقاته وشهواته، ولا يكون لذكره اللساني أثر حقيقي في تكوين شخصيته.
فالذكر الذي تشير إليه الآية هو أن يصبح الله حاضرًا في وعي الإنسان عندما يختار أمرًا أو موقفًا، وحاضرًا في ضميره عندما يختلف مع الآخر، وحاضرًا في سلوكه كله،
وقد ورد عن رسول الله (ص)، في معنى الذكر، أنه: “إِذَا عَرَضَ لِلِإنْسَانِ مَا حَرَّمَ اللهُ فَخَافَ اللهَ وتَرَكَهُ، فَذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ”. ورُوِيَ عن الإمام جعفر الصادق (ع) – لحسينِ البزّازِ -: “ألَا أُحَدِّثُكَ بِأَشَدِّ ما فَرَضَ اللَّهُ عَزّ وَجَلَّ على خَلْقِهِ؟، إنصافُ الناسِ مِن نَفسِكَ ، ومُواساتُكَ لِأخيكَ، وذِكرُ اللَّهِ في كلِّ مَوطِنٍ، أما إنّي لا أقولُ: سُبحانَ اللَّهِ، والحَمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبَرُ، وإِنْ كانَ هَذا مِنْ ذاكَ، ولكِنْ ذِكرُ اللَّهِ في كُلِّ مَوطِنٍ إذا هَجَمتَ على طاعَتِهِ أو مَعصِيَتِهِ”
فالمعيار إذًا ليس كم مرة يذكر الإنسانُ اللهَ بلسانه، وإنما ماذا صنع ذكر الله بالإنسان؟ فأن تذكر الله يعني ألّا تكون غافلًا عنه وأنت تتصرف، فحين تكون قادرًا على الظلم وتتذكر الله فتعدِل فقد ذكرته. وحين تستطيع أن تخون الأمانة وتتذكر الله فتحفظها فقد ذكرته. وحين تدعوك الشهوة إلى ما لا يرضي الله وتتذكر الله فتمتنع عنها فقد ذكرته. وحين يشتد عليك الخوف أو الضغط أو الإغراء، ثم تسأل: ماذا يريد الله مني؟ فقد خرج الذكر من اللسان إلى الحياة.
ولهذا جاء الأمر بعد الذكر مباشرة:﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. فالشكر أيضًا ليس كلمة تقال، وإنما طريقة في استعمال النعمة. فإذا أعطاك الله عقلًا، فشكره أن تستخدمه في معرفة الحق، لا في تبرير الباطل. وإذا أعطاك علمًا، فشكره أن تجعله في خدمة الإنسان، لا في الاعتداء على الإنسان. وإذا أعطاك مالًا، فشكره أن تنفقه في موضعه، لا أن تجعله أداة للفساد والاستعلاء. وإذا أعطاك قدرة وتأثيرًا، فشكره أن تستخدمهما في إقامة الحق، لا في سحق الضعفاء.
فالنعمة التي لا تُستثمر في غايتها تتحول من نعمةٍ مشكورة إلى نعمةٍ مهدورة. ومن هنا يكون الشكر الوجه العملي للذكر: أن تعرف المنعم، ثم تعرف وظيفة النعمة.
وهذه الفكرة تفتح لنا معنى بالغ الأهمية في حياة الإنسان.
فالقرآن لا يريد مؤمنًا يذكر الله في المسجد ثم ينساه في السوق، ولا مؤمنًا يذكره في الدعاء ثم يغفل عنه في السياسة، ولا مؤمنًا يذكره في العبادة ثم يتجاهل قِيَمَه في علاقاته الاجتماعية.
إن ذكر الله الحقيقي هو الذي يجعل اللهَ تعالى مرجعية حياة الإنسان، ويجعل اللهَ محورَه الأوحد، ولهذا فإن الأمة التي تذكر الله ليست الأمة التي تكثر فيها الأذكار اللفظية فحسب، بل الأمة التي تظهر آثار ذكر الله في عدالتها وأخلاقها وعلمها وتكافلها وكرامة الإنسان فيها، وحفظها للأمانة، ومقاومتها للظلم.
ومن هنا نفهم لماذا جاء النهي في الآية: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. فكفران النعمة ليس فقط أن يُنكِر الإنسان وجودها بلسانه، فقد يكفر الإنسان بالنعمة حين يستخدمها في الاتجاه المعاكس للغاية التي وهبها الله من أجلها. والأخطر من ذلك أن ينسى الإنسان أن أعظم نعمة هي نعمة الهداية. فقد يخسر الإنسان مالًا ثم يعوضه، وقد يفقد موقعًا ثم يستعيده، أما إذا فقد بوصلته الإيمانية فقد يخسر المحور الذي تنتظم حوله بقية النعم.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الخميس الواقع في: 3/9/2026 الساعة (05:03)




