ومن يعلم أين هي المصلحة؟!
المهندس عبد الجبار الجزائري ||
2 أيلول 2026

في تسعينيات القرن الماضي كان لي أحد الإخوة المقرّبين جداً، وكان رجلاً متديناً، شديد التعلّق بالعبادة وزيارة مراقد أهل البيت عليهم السلام. وقد اعتاد أن يجعل لكل يوم تقريباً زيارةً مخصوصة؛ فيزور الإمام الحسين عليه السلام، وأمير المؤمنين عليه السلام، والإمامين العسكريين عليهما السلام، والإمام الكاظم عليه السلام، حتى أصبحت الزيارات تستغرق جانباً كبيراً من وقته.
وكان في الوقت نفسه مسؤولاً عن عائلة كبيرة، ومع صعوبة الظروف في تلك الأيام، بدأت أعماله ومصالح أسرته تتأثر بسبب كثرة انشغاله.
وفي تلك الفترة تشرفت بلقاء الشيخ الشهيد مرتضى البروجردي رضوان الله عليه، فعرضت عليه حال هذا الأخ، وذكرت له انشغاله الكبير بالعبادة والزيارة، وأن ذلك بدأ يؤثر في عمله وشؤون أسرته.
فأجابني الشيخ الشهيد بجملة قصيرة، لكنها بقيت عالقة في ذهني إلى اليوم:
«وهل تعلم أنت أين هي المصلحة؟»
كانت إجابة أكبر من السؤال نفسه، وفتحت أمامي معنى أوسع لكلمة المصلحة.
واليوم أتذكر هذه الكلمة كلما سمعت من يردد: «مصلحة الوطن فوق كل شيء».
نعم، لا خلاف من حيث المبدأ على أن مصلحة الوطن ينبغي أن تتقدم على المصالح الشخصية والحزبية والفئوية، ولكن السؤال الذي يجب أن يسبق ذلك هو:
ومن يعلم أين هي مصلحة الوطن؟
فالجميع تقريباً يدّعي أنه يعمل من أجل مصلحة الوطن.
المتطرف يعتقد أن فرض فكره هو المصلحة، والقومي قد يرى أن مصلحة العراق في الاندماج ضمن مشروع قومي أوسع، حتى إن العراق في الفكر البعثي كان يسمى «القطر العراقي»، باعتباره جزءاً من مشروع يتجاوز حدود الدولة العراقية.
وصدام حسين خاض الحرب مع إيران، ثم غزا الكويت، وكانت تلك القرارات تُقدَّم تحت عناوين الأمن القومي والمصلحة العليا، فيما دفع العراق وشعبه أثماناً باهظة بسببها.
إذن، ليست المشكلة في عبارة «مصلحة الوطن»، وإنما في تعريف هذه المصلحة، ومن يحددها، وعلى أي أساس، وبأي رؤية للمستقبل.
فكل حزب قد يرى مصلحته هي مصلحة الوطن، وكل زعيم قد يعتقد أن بقاءه ضرورة وطنية، وكل تيار فكري قد يرى مشروعه الطريق الوحيد لإنقاذ البلاد.
ومن هنا يصبح استعمال كلمة «المصلحة الوطنية» من دون تحديد معناها أمراً خطيراً، لأنها قد تتحول إلى غطاء لأي قرار أو مشروع سياسي.
وقبل أن نقول إن هذا الموقف أو ذاك يحقق مصلحة الوطن، علينا أولاً أن نسأل:
ما هو الوطن الذي نريد؟
وما هويته وثوابته؟
وما مصالح شعبه الحقيقية؟
وهل المصلحة تُقاس بنتائج اليوم، أم بما سيترتب عليها بعد عشرين أو خمسين سنة؟
وهل مصلحة الوطن اقتصادية فحسب، أم تشمل أيضاً سيادته واستقلال قراره، وأمنه، وهويته، واستقراره الاجتماعي، وعدالة نظامه السياسي، وحقوق أبنائه، وثرواته، ومستقبل أجياله؟
ومن الذي يضع استراتيجية هذه المصلحة؟
هل هو فرد؟ أم حزب؟ أم حكومة عابرة؟ أم مؤسسات دولة وأهل خبرة واختصاص يضعون رؤية بعيدة المدى تحفظ مصالح البلاد العليا؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تصبح مصلحة الوطن كلمة مطاطة، يضع تحتها كل فريق مشروعه ومصلحته، ثم يطالب الآخرين بالقبول به باسم الوطنية.
وقد تكون هناك مصلحة آنية تبدو نافعة في لحظتها، لكنها تتحول بعد سنوات إلى كارثة استراتيجية، كما قد يكون هناك موقف مكلف في الحاضر لكنه يحفظ استقلال البلاد ومستقبلها.
ولهذا فإن الحديث عن تقديم مصلحة الوطن يحتاج قبل كل شيء إلى معرفة دقيقة بماهية هذه المصلحة، وإلى رؤية استراتيجية ومؤسسات تخطط للمستقبل، لا إلى شعارات تُرفع عند الاختلاف والخصومة.
ومنذ ذلك اليوم بقيت كلمة الشيخ الشهيد مرتضى البروجردي رضوان الله عليه حاضرة في ذهني، وكلما سمعت من يجزم بأنه يعرف مصلحة الناس أو مصلحة الوطن عاد إليّ ذلك السؤال البسيط والعميق:
ومن يعلم أين هي المصلحة؟




