المقاومة الثقافية.. تحوّلات في الاستراتيجية الإسرائيلية… من احتلال الأرض والهيمنة على الأنظمة إلى اختراق الطوائف..!
د. نسيب حطيط ||

نسيب حطيط
يستمر العدو الإسرائيلي في تطوير استراتيجياته لضمان أمنه، بالتوسع الجغرافي والسيطرة السياسية والاقتصادية على العرب، لضمان حزام أمان استراتيجي مستدام يؤمن تمديداً لحياته لأطول فترة ممكنة ، وهو الذي يعيش هاجس التفكك والزوال وفق مقولة وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق” موشيه دايان” عام ١٩٥٦(هذا قدر جيلنا، وهذا هو خيار حياتنا.. أن نكون مسلحين ومستعدين، وأقوياء وقساة، وإلا أُسقط السيف من أيدينا وقُطعت أعمارنا).
ارتكزت الاستراتيجية الدفاعية الإسرائيلية ،ابتداء على احتلال الأراضي وتوسعة حزام الأمان الجغرافي ، بشن الحروب حتى اجتياح عام 1982 واحتلال لبنان وتنصيب رئيس جمهورية تابع وفرض اتفاق أمني، لكن نجاح المقاومين اللبنانيين ،بتحرير الأرض بالقوة دون قيد أو شرط عام 2000 ، كان نقطة تحول في الاستراتيجية الدفاعية الإسرائيلية، التي وجدت أن الجغرافيا لا تحمي، بل تستنزف، إذا واجهها مقاومون محترفون وصادقون يحضنهم مجتمع مدني مقاوم، وهذا ما حصل في جنوب لبنان ثم تكرر في “غزة”،فاتجه العدو إلى تغيير استراتيجيته وتطويرها باتجاهين:
– إسقاط الأنظمة المعادية ، وتنصيب أنظمة متعاونة وحليفة ،بالتلازم مع الهيمنة على الأنظمة الضعيفة أو التابعة للإدارة الأمريكية ، واستطاعت إسرائيل إرغام هذه الأنظمة على التطبيع والتعاون وحشدها ضد حركات المقاومة والمشروع التحرري العربي.
– اختراق الهويات الفرعية للشعوب، (القومية والطائفية والمذهبية)، بعنوان حماية الأقليات المضطهدة، وقد بدأت مع الأكراد في العراق ثم مع الدروز في فلسطين وسوريا والمسيحيين في جنوب السودان ودعم مشروع انفصالهم وقد كانت أول تجربة خارج فلسطين المحتلة عندما دعمت المسيحيين في لبنان (الكتائب اللبنانية والقوات وغيرها)، واستمرار المحاولات، لجذب العلويين بعد المجازر التي ارتكبها التكفيريون ضدهم بتوجيه إسرائيلي -امريكي في سوريا بعد سقوط نظام الأسد.
توزعت الاستراتيجية الدفاعية الإسرائيلية على ثلاث مراحل :
-الأولى: احتلال الأرض وبدأت مع تأسيس الكيان الإسرائيلي وتوسعت باحتلال سيناء والجولان والضفة وجنوب لبنان
– الثانية : الإخضاع والسيطرة على الأنظمة وبدأت بتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد وما تبعها من اتفاقيات سلام وتطبيع .
– الثالثة : تفكيك النسيج الاجتماعي والعقائدي للشعوب والجماعات وتلقيح العقل العربي والإسلامي بجرعات “الأنا-أولاً” وحفظ المصلحة الطائفية والمذهبية أولاً وتهميش المسؤولية الوطنية والدينية، لتفكيك الشعوب إلى طوائف ومذاهب وقوميات ضعيفة ومتناحرة واشعال الفتن الأهلية ،كما يحدث الآن في ليبيا والسودان وقبلهما في أفغانستان ولبنان والعراق وسوريا والتي ستتطور ، للإجهاز على ما تبقى من سوريا الواحدة والآمنة .
إن تقويض السلم الأهلي في لبنان ،بالفتنة الطائفية والمذهبية بالتلازم مع إشعال الفتنة بين الجيش والمقاومة لإضعافهما وهما القوتان الوحيدتان ، اللتان لا تزالا تحفظان الاستقرار الداخلي والدفاعي، وذلك لمعاقبة الجيش بسبب تمرده على الأوامر الأمريكية والإسرائيلية ورفضه قتال المقاومين والتعاون مع الاحتلال ، ليكون مصيره مشابهاً للجيشين العراقي السوري، ولمحاصرة المقاومة بشكل كامل بالحرب الإسرائيلية والحصار الأمريكي والفتنة الأهلية التي ستكون آخر المحاولات الأمريكية -الإسرائيلية للقضاء على المقاومة ونزع سلاحها وإن لم تنجح هذه الخطط جميعاً فسيكون مصير لبنان وفق المخطّط الأمريكي(الفوضى والإحراق).,
استطاعت إسرائيل أن تزيد رصيدها الخاص بتفكيك واختراق الطوائف فحصدت جزء من المسيحيين اللبنانيين، وتتقدم لابتلاع دروز لبنان بعدما بقوا وحيدين خارج إطار السيطرة الإسرائيلية بعد خضوع دروز فلسطين وسوريا، وربح مواقف جزء من المسلمين “السنّة” المؤيدين للجماعات التكفيرية والنظام السوري الجديد ودول الخليج، والتي يمكن ألا تنضم إلى المشروع الإسرائيلي بشكل مباشر لكنها ستكون حكماً ضد المقاومة مما يجعلها- بقصد أو غير قصد -في جبهة أعداء المقاومة، ويحاصر المقاومة وطائفتها.
إن انزلاق بعض الطوائف والأحزاب والشخصيات اللبنانية لمشروع الفتنة الأمريكي- الإسرائيلي ،سيكون مغامرة تحرقهم بالنار التي لن تبقى في مناطق أهل المقاومة فقط—والتي لا زالت النار مشتعلة بها—بل ستصيب المغامرين الذين لم يستفيدوا من تجارب عملاء إسرائيل السابقة ، وسيحرقون لبنان ثانية كما “أحرقه” اليمين المسيحي في الحرب الأهلية الأولى عام 1975.
لا تستهينوا بالتحضيرات القائمة للفتنة الداخلية التي يبدو أنها لن تكون بعيدة إذا لم يستطع العدو الإسرائيلي الانتصار الكلي على المقاومة وأهلها… ولن ينتصر بإذن الله.
ان تغيير العدو لاستراتيجياته ،يستوجب تغيير استراتيجيتنا الدفاعية … فليس بالسلاح وحده نقاوم ونحمي !
نداؤنا…. إلى شركائنا في الوطن، تعالوا إلى كلمة سواء، بدل الرصاص.
د. نسيب حطيط




