الخميس - 03 سبتمبر 2026

الشريف العارف بالله أحمد مثنى عنتر.. سيرة نسب كريم وعلم راسخ وعدل بقي في الذاكرة..!

منذ 12 ساعة
الخميس - 03 سبتمبر 2026

د. أحلام الصوفي ||

 

حلام الصوفي

 

 

في تاريخ اليمن صفحات كثيرة لم تكتب كلها، وأسماء من رجالات العلم والفضل والإدارة ما زالت حاضرة في ذاكرة الأسر والقرى والمناطق، تتناقلها الأجيال جيلا بعد جيل. ومن هذه الأسماء الشريف العارف بالله أحمد مثنى عنتر، الذي اجتمع في سيرته شرف النسب، وطلب العلم، وحسن السيرة، والقيام بأمر الناس بالعدل والإنصاف.
والحديث عن الشريف أحمد مثنى عنتر ليس حديثا عن رجل من بيت عريق فحسب، بل عن شخصية جمعت بين إرث النسب ومسؤولية السلوك، وبين العلم والعمل، وبين مكانة العالم وهيبة المسؤول، فكان حضوره في حياة الناس أعمق من حدود الوظيفة التي تقلدها، وأبقى من المرحلة التي عاش فيها.
ينتمي الشريف أحمد مثنى عنتر إلى أسرة هاشمية علوية عريقة، ويتصل نسبه الشريف بالإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وصولا إلى عبدالمطلب بن هاشم، في سلسلة نسب محفوظة لدى أسرته ومعروفة في موطنها.
ونسبه الشريف هو أحمد بن مثنى بن أحمد بن صالح بن أحمد الملقب عنتر بن محمد بن عبدالقادر بن محمد بن أبي الغيث بن عبدالقادر بن أحمد بن سفيان بن محمد بن عبدالله بن سعيد بن إسماعيل بن أحمد سفيان بن عبدالله بن حسان بن أحمد بن يوسف بن عبدالله بن عبدالكريم (الأكرم) بن عبدالله بن محمد (الميمون) بن علي (التقي) بن محمد (الجواد) بن علي (الرضا) بن موسى (الكاظم) بن جعفر (الصادق) بن محمد (الباقر) بن علي (زين العابدين) بن الحسين (السبط) بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، بن عبدالمطلب بن هاشم.
وهذا النسب، مهما بلغت منزلته، لم يكن في حياة الشريف أحمد مثنى عنتر مجرد مفخرة تتردد على الألسن، بل كان أمانة أخلاقية حملها في حياته، إذ كان يرى أن شرف الأصل لا يكتمل إلا بشرف الفعل، وأن الإنسان إنما يرفع نسبه بما يضيف إليه من علم وخلق ومواقف.
ولد الشريف أحمد مثنى عنتر في قرية الدوير بمنطقة النادرة، في ما كان يعرف آنذاك بلواء إب، ونشأ في بيئة يمنية أصيلة، حيث للعلم مكانته، وللعائلة حضورها، وللشيخ والعالم احترامهما في المجتمع.
ومنذ وقت مبكر اتجه إلى طريق العلم، ولم يرض أن يكون حظه من المعرفة ما يتلقاه في موطنه فقط، فشد الرحال، وترك الديار في سبيل طلب العلم، وتنقل بين ذمار وصنعاء والأهنوم، وهي رحلة لم تكن سهلة في ذلك الزمن، حين كان طالب العلم يتحمل مشقة السفر وطول الطريق والغربة، ولكنه كان يرى أن المشقة تهون أمام غاية العلم.
وفي تلك الرحلة العلمية التقى بعدد من أعلام عصره، فنهل من علم العلامة محمد بن أحمد العراسي، والعلامة أحمد بن محمد السياغي، والفقيه أحمد بن علي الطير، والعلامة لطف بن محمد شاكر، وغيرهم من العلماء، فتكونت شخصيته العلمية على أيدي رجال كان لهم حضورهم في الحياة العلمية اليمنية.
وكانت رحلة طلب العلم بالنسبة إليه رحلة لبناء الإنسان قبل أن تكون تحصيلا للمعرفة، ولذلك انعكس ما تعلمه على شخصيته، فجمع بين الوقار والجدية، وبين قوة الموقف وحسن التعامل، وأصبح العلم في حياته وسيلة لخدمة الناس وإصلاح ما يستطيع إصلاحه.
ثم اتصل بالإمام المنصور بالله محمد بن يحيى حميد الدين رحمه الله، وكانت تلك المرحلة من حياته بداية لمسؤولية جديدة، إذ أسند إليه الإمام المنصور العمل في بلاد الشرفين سنة 1313هـ.
ولم تكن بلاد الشرفين في تلك المرحلة تعيش أفضل أحوالها، فقد كانت الفوضى قد ألقت بظلالها على المنطقة، واختلطت المصالح، وضاعت بعض الحقوق، وكان الناس بحاجة إلى رجل يعيد للعدل حضوره وللدولة هيبتها.
فدخل الشريف أحمد مثنى عنتر إلى بلاد الشرفين، ولم يحمل معه سلطة المنصب وحدها، وإنما حمل شخصية العالم الذي يعرف أن الحكم بين الناس أمانة، وأن القوة إذا لم يضبطها العدل تحولت إلى ظلم، وأن هيبة المسؤول لا تصنعها القسوة وإنما يصنعها الإنصاف.
ومن هنا بدأ الناس يرون أثرا مختلفا لوجوده، فعمل على رفع المظالم، ورد الحقوق إلى أصحابها، وإقامة العدل، وإعادة الأمن والانضباط، حتى بدأت هيبة الدولة تستعيد حضورها، وأصبح الناس يشعرون بأن هناك من ينظر إلى شكاواهم بعين المسؤولية، لا بعين الترفع والاستعلاء.
وكان من أبرز ما ميزه أن عدله لم يكن مرتبطا بمكانة الخصم أو قربه، فالحق عنده حق، والمظلوم مظلوم، ولذلك اكتسب احترام الناس ومحبتهم معا.
وفي مثل هذه المواقف تظهر معادن الرجال.
فليس صعبا على الإنسان أن يكون قويا حين تكون الأمور مستقرة، ولكن الاختبار الحقيقي يكون حين تسود الفوضى، وتكثر الخصومات، وتتعارض المصالح، ويصبح المسؤول أمام خيارين: أن يرضي الأقوياء، أو أن ينصف الضعفاء. ويبدو أن الشريف أحمد اختار الطريق الذي آمن به، طريق العدل وإقامة الحق.
ولهذا ظل أهل بلاد الشرفين يذكرونه باعتباره واحدا ممن تركوا أثرا في منطقتهم، إذ ارتبط اسمه بمرحلة شعر فيها الناس بعودة شيء من النظام والإنصاف.
وكان في شخصيته شيء من أخلاق العلماء الذين يرون أن العلم لا قيمة له إذا لم يتحول إلى عمل، وأن معرفة الحق لا تكفي ما لم يقف صاحبها معه. ولذلك لم يكن العلم في حياته زينة، وإنما كان مسؤولية.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الشريف أحمد مثنى عنتر والناس؛ فقد أحبوه لأنهم لم يروا فيه مجرد صاحب منصب، بل رأوا رجلا يحمل همومهم، ويسعى إلى رفع الظلم عنهم، ويضع للعدل مكانا في حياته.
وكانت مكانته الاجتماعية والعلمية تضيف إلى مسؤوليته ولا تنتقص منها، لأن من يحمل اسما عريقا يكون مطالبا بأن يكون جديرا به في أخلاقه قبل كلامه، وفي أفعاله قبل نسبه.
ولعل أجمل ما بقي من هذه السيرة أن الشريف أحمد مثنى عنتر جمع بين ثلاثة ألوان من الشرف: شرف النسب، وشرف العلم، وشرف الموقف.
فالنسب منحه جذورا عريقة، والعلم منحه بصيرة، والموقف جعل لذلك كله معنى في حياة الناس.
وهكذا أصبح اسمه جزءا من ذاكرة أسرته وموطنه، وبقيت سيرته تتناقلها الألسن، لا بوصفه شخصية عابرة، وإنما بوصفه واحدا من الرجال الذين تركوا وراءهم أثرا محسوسا في مجتمعهم.
وبعد حياة حافلة بالعلم والخير والعطاء، توفي الشريف أحمد مثنى عنتر، وانتقل إلى رحمة الله، لكنه ترك خلفه إرثا لا ينتهي بغياب صاحبه، فقد خلف ذرية في قرية الدوير، وكان عليهم أن يحملوا اسم الأسرة وإرثها وقيمها.
والإرث الحقيقي ليس أن يبقى الاسم مكتوبا في سلسلة نسب، وإنما أن تبقى معه الأخلاق التي جعلت لذلك الاسم مكانته.
ولهذا فإن سيرة الشريف أحمد مثنى عنتر تستحق أن تحفظ وتروى، لأن فيها صورة من صور التاريخ الاجتماعي والعلمي لليمن، وفيها نموذج للرجل الذي لم يجعل شرف النسب بديلا عن العلم، ولا العلم بديلا عن العمل، ولا السلطة بديلا عن العدل.
إن الرجال يرحلون، ولكن سيرهم تبقى، وما يبقى من الإنسان ليس طول عمره، وإنما ما تركه في نفوس الناس من أثر.
والشريف العارف بالله أحمد مثنى عنتر واحد من أولئك الذين بقي ذكرهم لأنهم عاشوا بين الناس بقيم يرونها عظيمة: العلم، والعدل، وحفظ الحقوق، ونصرة المظلوم، وحسن السيرة.
رحم الله الشريف أحمد مثنى عنتر، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وحفظ ذريته وأهله، وأبقى فيهم ما ورثوه من القيم الكريمة، وجعل سيرته شاهدة على أن اليمن لم تكن يوما أرضا عابرة في تاريخ العلم والأنساب، وإنما كانت وما زالت موطنا لرجال حملوا العلم والنسب والمسؤولية، وتركوا خلفهم حكايات تستحق أن تحفظها الأجيال.