الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026
منذ 4 ساعات
الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

طه حسن

 

 

ليست كُل حرب تُحسم بالقوة التي تبدأ بها ، ولا كُل دولة يُمكن إخضاعها لمُجرد أمتلاك الطرف الآخر تفوقاً جوياً وصاروخياً هائلاً .
وهذه هي المُفارقة التي تُفسر إلى حد كبير ، لماذا تستطيع الولايات المتحدة توجيه ضربات عسكرية مُؤثرة إلى أهداف داخل إيران ، لكنها لا تستطيع بسهولة تحويل هذا التفوق الناري إلى أحتلال ، وسيطرة طويلة الأمد .؟

إن الضربة العسكرية عملية محدودة الأهداف والزمن ، أما الاحتلال فهو مشروع مُختلف تماماً ، يحتاج إلى السيطرة على الأرض ، وتأمين خطوط الإمداد ، وحماية القوات ، وإدارة السكان ، وتحمل حرب أستنزاف قد تمتد لسنوات .

وهنا تبدأ الجغرافيا الإيرانية بفرض شروطها .؟
إيران ليست مساحة مفتوحة يُمكن التعامل معها كحقل أهداف ، إنها دولة واسعة ذات تضاريس جبلية قاسية ومُعقدة وعُمق جغرافي كبير ، وتمتلك ساحلاً أستراتيجياً على الخليج وموقعاً مُؤثراً قرب مضيق هرمز .

ولذلك فإن أمتلاك القُدرة على الوصول إلى الأهداف ، لا يعني بالضرورة أمتلاك القُدرة على السيطرة على الدولة التي توجد فيها تلك الأهداف .؟

الأخطر أن الحرب في هذه المنطقة لا تبقى بالضرورة داخل حدود الدولة المُستهدفة ، فمضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر ليست مُجرد ممرات مائية ، وإنما نقاط أختناق أستراتيجية تتقاطع عندها الطاقة والتجارة والأمن الدولي ، وأي أضطراب واسع فيها يُمكن أن يرفع كُلفة الحرب على العالم كله ، لا على أطرافها المُباشرة فقط ، وهنا يظهر ما يمكن تسميته «مفتاح التعطيل» أي القُدرة على جعل الممر الحيوي غير آمن أو غير أقتصادي للملاحة من دون الحاجة إلى السيطرة العسكرية الكاملة عليه .
ففي الحروب الحديثة قد يكون تعطيل الحركة التجارية ، ورفع مخاطر التأمين ، وإجبار الشركات على تغيير مساراتها أكثر تأثيراً من إعلان إغلاق المضيق رسمياً .

وهذا هو جوهر الحرب غير المُتكافئة :
هو أن طرف يمتلك طائرات وسفناً ومنظومات مُتقدمة ، وطرف آخر يستطيع أستخدام الصواريخ والمسيّرات والزوارق والألغام والوسائل غير التقليدية لرفع كُلفة العمليات وإطالة زمن المُواجهة .؟

ومع أتساع نطاق الحرب تصبح المسألة أقل أرتباطاً بمن يملك السلاح الأقوى ، وأكثر أرتباطاً بمن يستطيع تحمل الكُلفة السياسية والاقتصادية والأمنية لفترة أطول .

لكن في قلب هذه المُعادلة توجد دولة لا ينبغي أن تكون مُجرد ساحة عبور للتداعيات .

فالعراق يقع في منطقة شديدة الحساسية بين الخليج وإيران وبلاد الشام ، وأي تصعيد إقليمي واسع يُمكن أن ينعكس عليه أمنياً وأقتصادياً وسياسياً ، لذلك فإن أخطر ما يمكن أن تفعله بغداد هو التعامل مع الأزمات الإقليمية بمنطق الانتظار ، وكأن العراق يستطيع أن يبقى خارج تأثيراتها لمُجرد أنه لم يختر الحرب .

المُشكلة ليست في الجغرافيا العراقية ، فالجغرافيا يُمكن أن تكون عبئاً أو ميزة ، المشكلة في كيفية إدارة الدولة لهذه الجُغرافيا .؟
لقد أثبتت تجارب دول عانت الحروب والانهيار أن الخروج من الركام لا يبدأ بكثرة الخطابات ، وإنما بإعادة بناء مُؤسسات الدولة ، وتوحيد القرار الأمني ، وحماية الاقتصاد من الارتدادات الخارجية ، وتنويع مصادر الدخل ، وتأمين البُنية التحتية ، وترسيخ سيادة القانون ، ومنع تحويل أراضي الدولة إلى مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية .

ومن هنا فإن المطلوب من النُخب السياسية والحكومة العراقية ليس أختيار طرف في الصراع ، وإنما أختيار العراق أولاً .؟
فالدولة القوية لا تكون قوية لأنها تدخل كُل مواجهة ، بل لأنها تمتلك القُدرة على منع الآخرين من تحويلها إلى ساحة مواجهة .

أخيراً وليس آخراً .. العراق اليوم بحاجة إلى سياسة خارجية مُتوازنة ، وقرار أمني مُوحد ، ومُؤسسات قادرة على حماية حدودها ومصالحها ، وأقتصاد يستطيع أمتصاص الصدمات ، وخُطة طوارئ وطنية تتعامل مع أحتمالات أضطراب الطاقة والتجارة والمياه والاستثمار .

كما أن تحصين الداخل سياسياً وأقتصادياً وأمنياً هو أفضل وسيلة لمنع الخارج من أستخدام نقاط الضعف العراقية .

فالولايات المتحدة قد تستطيع ضرب إيران ، وقد تستطيع إيران إيلام خصومها ، وقد تستطيع أطراف أخرى تعطيل ممرات أستراتيجية ، لكن العراق لا يستطيع تغيير جغرافيته ، ولا يستطيع أختيار موقعه من الخريطة .

ما يستطيع العراق أختياره هو طريقة إدارة هذا الموقع ، وهنا تحديداً يُقاس رجال الدولة ، ليس بقُدرتهم على الحديث عن السيادة ، وإنما بقُدرتهم على تحويل الجُغرافيا العراقية من مصدر للخطر إلى عنصر قوة ، وجعل العراق دولةً تُحترم مصالحها وسيادتها ، لا ساحةً تُدار فوق أرضها مصالح الآخرين …!