الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026

نظرة حول سوق السندات الامريكية..!

منذ 4 ساعات
الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026

د. بلال الخليفة ||

 

 

 

 

يعتبر سوق السندات الأمريكي الأكبر عالميًا، بحجم دين قائم يقارب 58 تريليون دولار من إجمالي 143 تريليون دولار للسوق العالمي. سندات الخزانة الأمريكية تُعتبر العمود الفقري للنظام الامريكي وبالتالي المؤثر الاكبر على النظام المالي العالمي، إذ تؤثر على أسعار الرهن العقاري، تكاليف الاقتراض للشركات، وحتى تقييمات الأسهم والعملات.

النقطة الاهم والتي اريد ان اسلط الضوء عليها هي علاقة السندات بالدين الامريكي، وعلاقتها ايضا بالموازنة العامة للولايات المتحدة الامريكية، حيث ان العلاقة بين سوق السندات والموازنة الفيدرالية أصبحت من أهم القضايا المالية في أمريكا حاليًا، وهي علاقة “دائرية” تغذي بعضها البعض:

1 – تكلفة خدمة الدين ترتفع مع العوائد

عندما ترتفع عوائد سندات الخزانة ، ترتفع تلقائيًا كلفة اقتراض الحكومة، لأن الخزانة تصدر باستمرار سندات جديدة لتمويل العجز وإعادة تمويل الدين المستحق. الأرقام الحالية صادمة، ان تكاليف الفائدة على الدين الوطني بلغت 970 مليار دولار في 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى تريليون دولار في 2026 – بزيادة 7% عن العام السابق وان بعض المصادر تشير الى تجاوزها التريليون دولار سنويا.

اما بالنسبة إلى حجم الاقتصاد، ستصل تكاليف الفائدة إلى 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، متجاوزة أعلى مستوى سابق كان مسجلاً في 1991.

كما ان نسبة الفائدة على السندات الى إيرادات الحكومة الفيدرالية الامريكية، وصل إلى 18.6% هذا العام.

2 – الفائدة أصبحت من أكبر بنود الإنفاق

تكاليف الفائدة حتى الآن في السنة المالية 2026 هي ثالث أكبر فئة إنفاق للحكومة الفيدرالية، متجاوزة كل بنود الموازنة باستثناء الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية (ميديكير). والأخطر من ذلك أن الفائدة ستتجاوز إنفاق ميديكير بحلول 2028، وستتجاوز الإنفاق الدفاعي وغير الدفاعي التقديري بحلول 2038، لتصبح أكبر بند إنفاق فيدرالي منفرد بحلول 2048.

3 – “مزاحمة” الأولويات الأخرى

كل دولار يُصرف على الفائدة هو دولار لا يُصرف على التعليم، البنية التحتية، الدفاع، أو الرعاية الصحية. الديون المتصاعدة وارتفاع الفائدة يهددان بمزاحمة فرص الاستثمار في أولويات مهمة أخرى، سواء في القطاع العام أو الخاص.

4 – الفائدة وارتباطها بالعجز

أ‌- كلما زاد العجز، احتاجت الحكومة لإصدار مزيد من السندات لتمويله.

ب‌- زيادة المعروض من السندات (خاصة طويلة الأجل) يمكن أن تدفع عوائدها للارتفاع (كما نرى الآن مع سند الـ30 عامًا القريب من أعلى مستوى في 22 عامًا).

ت‌- ارتفاع العوائد يرفع كلفة الفائدة على الدين الجديد والمُجدد، ما يزيد العجز أكثر، وهكذا.

من المتوقع أن يتضاعف صافي الفائدة على الدين الوطني، وهو أسرع بند نمواً في الموازنة، من 970 مليار دولار في 2025 إلى 2.1 تريليون دولار بحلول 2036.

6 – تاثير تغير سعر الفائدة

مع دين وطني إجمالي يبلغ حاليًا 38.5 تريليون دولار، حتى التغيرات الصغيرة في أسعار الفائدة على دين الخزانة يمكن أن تكون لها عواقب كبيرة على إنفاق الحكومة على الفائدة واستقرارها المالي. تحديدًا، إذا كان سعر الفائدة أعلى بنسبة 1% فقط سنويًا عن توقعات مكتب الموازنة بالكونغرس، فإن تكاليف الفائدة ستكون أعلى بـ3.2 تريليون دولار على مدى العقد القادم.

فقدان الثقة بالسندات

الاسبوع الماضي لاحظنا ان اليابان وبعض الدول الاخرى قامت ببيع بعض السندات المالية التي تملكها بعد ان تعرضت عملتها للهبوط امام الدولار بسبب ان بنك اليابان المركزي بدأ يرفع عوائده المحلية (JGB) بعد سنوات من الفائدة شبه الصفرية، من ابرز الدول التي باعت سنداتها في مارس عام 2026:-

(اليابان 47.7 مليار دولار، الصين: 41 مليار دولار (حيازتها تراجعت إلى نحو 683-760 مليار دولار، الأدنى منذ 2008)، دول أخرى: لوكسمبورغ، تايوان، السعودية، الهند، كندا، والإمارات)

ومعالجة الامر من قبل الولايات المتحدة الامريكية بخصوص بيع السندات هو رفع الفائدة كما ان الامر يرتبط ايضا بالسيطرة على التضخم والتوظيف، حيث ان ارتفاع الفائدة 50 نقطة أساس ينعكس مباشرة على أسعار الرهن العقاري، تكاليف اقتراض الشركات، تقييمات الأسهم، وأيضًا على فاتورة الفائدة التي تدفعها الحكومة الأمريكية نفسها – وهذا يربطنا مباشرة بموضوعنا السابق عن الموازنة.

ان المشكلة الأعمق، ان هذا التراجع في الطلب الأجنبي يحدث في وقت تحتاج فيه الحكومة الأمريكية لتمويل عجز يقارب 2 تريليون دولار سنويًا. فقدان “طلب مستقر” تاريخيًا (كاليابان) يعني أن السوق الأمريكي يحتاج لجذب مشترين بدائل – إما مستثمرين محليين أو عوائد أعلى لجذب الأجانب.

الخلاصة

سوق السندات ليس مجرد “مقياس” لمزاج المستثمرين تجاه الاقتصاد الأمريكي، بل هو آلية تسعير مباشرة لتكلفة الدين الحكومي. كلما فقد المستثمرون بعض الثقة (بسبب التضخم، حجم العجز، أو المخاوف السياسية)، طالبوا بعائد أعلى لشراء سندات الخزانة، وهذا يترجم مباشرة إلى فاتورة فائدة أضخم تُثقل كاهل الموازنة الفيدرالية وتحد من مرونتها المالية على المدى الطويل. وهنا نطرح سؤال هل سيستمر تراجع الطلب الأجنبي؟ من سيملأ الفراغ – المستثمر المحلي الأمريكي أم صناديق التحوط؟