الاثنين - 31 اغسطس 2026

سقوط عروش الطغاة والحق الأبدي في مواجهة مشاريع الاستكبار..!

الاثنين - 31 اغسطس 2026

القاضي/ حسين بن محمد بن أحمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن

 

 

 

{الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ أَمَلاً}
ليست السعادة أن يمتلك الإنسان القوة، ولا أن تتكدس في خزائنه الأموال والثروات، ولا أن تمتد جيوشه وراء الحدود، ولا أن يخضع الضعفاء لإرادته؛ فكم من قويٍّ أذلته قوته، وكم من غنيٍّ لم تمنحه أمواله أمنًا، وكم من إمبراطوريةٍ ظنت أنها خالدة، فإذا بها تصبح صفحةً في كتاب التاريخ.
إن السعادة الحقيقية لا تُبنى على الظلم، ولا تُحصد من دماء الأبرياء، ولا تُشترى بإذلال الشعوب.
إنها إيمانٌ يهدي، وعدلٌ يحكم، وأخلاقٌ تسمو، وعملٌ صالحٌ ينفع الناس.
فالعاقل من عرف أن الدنيا دار عبور لا دار خلود، وأن القوة عاريةٌ مستردة، وأن السلطان مهما طال أمده فإلى زوال، وأن الإنسان لا يحمل معه عند الرحيل قصوره ولا أمواله ولا ألقابه، وإنما يحمل عمله وأثره.

لِكُلِّ بَانٍ عَلَى الدُّنْيَا بِنَاءُ فَمَا ** يَبْقَى سِوَى ذِكْرِهِ، وَالدَّهْرُ هَدَّامُ

تَمْضِي اللَّيَالِي، وَمَا لِلْمَرْءِ مِنْ أَمَلٍ ** إِلَّا الَّذِي خَطَّهُ فِي الدَّهْرِ أَقْلَامُ

وَكَمْ رَأَيْنَا مَلُوكًا فِي مَمَالِكِهِمْ **
طُوِيَتْ لَهُمْ فِي فَسِيحِ الْأَرْضِ أَعْلَامُ

 

تَاجٌ عَلَى الرَّأْسِ كَانَ العِزُّ يَحْرُسُهُ
فَأَصْبَحَ التُّرْبُ فَوْقَ الراس اكوام

وَكَمْ غَنِيٍّ غَدَا فِي النَّاسِ مُبْتَهِجًا ** فَأَصْبَحَ المَالُ بَعْدَ العِزِّ أَوْهَامُ

وَالدَّهْرُ سَيْفٌ صَقِيلٌ لا أَمَانَ لَهُ ** يَوْمًا يُوَاسِي، وَيَوْمًا وَهْوَ هدَّامُ

فَاصْحَبْ مِنَ العُمْرِ مَا يبقى لَه
أَثَر ** فالحقُ يبقى له في الخلق إكرام

وَازْرَعْ جَمِيلا يرى فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ ** فَالذِّكْرُ يَبْقَى عليه الدهر قَوَّامُ

إِنَّ الحَيَاةَ ظِلَالٌ ثُمَّ مُنْقَطِعٌ ** وَالمَرْءُ ضَيْفٌ، وَهَذِي الدَّارُ أَيَّامُ

فَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ المَوْتِ مَكْرُمَةً ** فَخَيْرُ زَادِ الفَتَى فضل وإنعام

ولهذا جاءت رسالات الله إلى عباده لتضع للإنسان ميزانًا لا يختل: الحق فوق القوة، والعدل فوق الهوى، والإنسان أكرم من أن يكون وقودًا لأطماع المستكبرين.
قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}.
فإذا غاب العدل، حضرت الفوضى، وإذا غابت الرحمة، استُبيحت الدماء، وإذا تحولت القوة إلى غاية، صار الإنسان مجرد رقمٍ في حسابات السياسة والحرب.
وهنا يظهر الفرق بين القوة التي تحمي والقوة التي تستعبد، وبين السياسة التي تحفظ مصالح الشعوب والسياسة التي تجعل الشعوب وقودًا لمصالح الطامعين تحاصر المؤمنين من أجل إرضاء المستكبرين.
لقد علّمتنا السنن الإلهية أن الظلم لا يصنع استقرارًا، وأن الاحتلال لا يصنع سلامًا، وأن القهر لا يصنع محبة، وأن الشعوب قد تُقهَر حينًا، لكنها لا تنسى حقها، ولا تموت إرادة الحرية في وجدانها.
وما يجري في فلسطين شاهدٌ على ذلك.
فحين تُهدم البيوت، ويُهجّر الناس من ديارهم، ويُقتل الأطفال والنساء، ويُحاصر المدنيون، ثم يُطلب من العالم أن يسمي ذلك «سلامًا»، فإن المشكلة لم تعد في الكلمات، وإنما في الضمير الذي مات خلف الكلمات.
إن القضية الفلسطينية ليست قضية شعبٍ يبحث عن التعاطف فحسب؛ إنها قضية حقٍّ وعدلٍ وكرامةٍ وإنسانية، واختبارٌ حقيقي لمصداقية العالم الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان ثم يصمت حين يكون الضحية فلسطينيًا.
وإن أخطر ما يمكن أن يصيب الأمم أن تعتاد الظلم، وأن يصبح قتل الأبرياء خبرًا عابرًا، وأن يتحول الحصار إلى رقم، والتهجير إلى إحصائية، والدم إلى مشهدٍ يتكرر حتى تفقد القلوب إحساسها.
قال تعالى:
{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}.
فلا مكان في ميزان الأخلاق للحياد أمام الظلم حين يكون الظلم بيّنًا، ولا يجوز للإنسان أن يبرر العدوان لمجرد أن المعتدي قوي، أو أن يصمت لأن الضحية عربي أو مسلم.
فالحق لا يصبح باطلًا لأن أصحابه مستضعفون مؤمنون، والباطل لا يصبح حقًا لأن أصحابه أقوياء ملحدون مستكبرون.
ومن هنا فإن الوقوف مع المظلومين ليس دعوةً إلى الكراهية، وإنما هو دعوة إلى إقامة العدل؛ ونصرة الحق لا تعني ظلم أحد، وإنما تعني رفض الظلم عن الجميع.
ربيع الأول… عودة إلى مدرسة المصطفى
وفي ربيع الأول نستحضر مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا لنستعيد ذكرى تاريخية فحسب، وإنما لنستعيد منهجًا في بناء الإنسان والأمة.
جاء المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ليقيم مجتمعًا يقوم على الإيمان والعدل والرحمة والأخوة، وليخرج الإنسان من عبودية الهوى والطاغوت إلى عبودية الله وحده.
وجاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدين الإسلام دين الوحدة والتوحيد، وصار على هذه الفكرة والعقيدة في ناحيتي التطبيق والعمل، فاتجه نبي الإسلام إلى العمل على بناء الوحدة في التضامن والتعاون في الحقوق والواجبات.
فالمسلمون جميعا في نظر الإسلام سواء.
لقد جاء في القرآن {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}.
ودعا القرآن إلى الاعتصام بحبل الله، {وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا}.
وحذر القرآن الكريم من الاختلاف والتنازع {وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ}
وهاهي الجمهورية الإسلامية في إيران تجسد ذلك اليوم في مؤتمر يجمع الأمة الإسلامية من مختلف البلدان، وهي بذلك تضع ترجمة عملية للاقتداء بنبي الإسلام، وهو أمر يدل على رفيع مكانة القائد الإسلامي الكبير الإمام مجتبي علي الخامنئي واقتفاءه أثر ابيه الشهيد رضوان الله عليه وأثر الإمام الخميني -قدس سره- الذي كان ثورته عز للإسلام والمسلمين.

ومن الوفاء لنبي الإسلام أن نتأسى بأخلاقه، وأن نجعل وحدتنا أقوى من خلافاتنا، وأن نجعل رحمتنا أوسع من جراحنا، وأن نقف مع المظلوم، وأن نرفض العدوان الصهيوني الغاشم على فلسطين وعلى الجمهورية الإسلامية في إيران ولبنان ويمن الإيمان والحكمة، وأن نربي أبناءنا على الصدق والعفة والشجاعة والكرامة.
فالأمة التي تريد النصر لا بد أن تبدأ بإصلاح الإنسان، والتي تريد القوة لا بد أن تبني الأخلاق، والتي تريد الحرية لا بد أن تتحرر أولًا من الخوف واليأس والتبعية.
إن معركة الإنسان الكبرى ليست مع غيره وحده، وإنما مع ضعفه وجبنه وهواه؛ فمن انتصر على نفسه استطاع أن ينتصر لقيمه، ومن باع ضميره فلن تنفعه كثرة أتباعه ولا قوة سلاحه.
وما أحوج أمتنا اليوم إلى كلمة سواء تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتنصر المظلوم ولا تظلم، وتواجه مشاريع الهيمنة والاستكبار بوعيٍ وبصيرةٍ وثبات، وأن تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني واللبناني والإيراني واليمني، وأن تقف مع حزب الله فإن حزب الله هم الغالبون، وأن يلتف الجميع حول راية الإسلام راية أنصار الله في يمن الإيمان والحكمة التي يرفعها القائد الإسلامي الكبير السيد العلم عبدالملك بدر الدين الحوثي -حفظه الله- نصرة لله وحزبه وصالحي خلقه،
قال تعالى:
{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
فليست السعادة في أن تكون فوق الناس، وإنما في أن تكون عادلًا بينهم؛ وليست القوة في أن تُخيف الناس، وإنما في أن تحميهم؛ وليست العظمة في أن تستعبد الشعوب، وإنما في أن تصون كرامتها.
وسيبقى التاريخ شاهدًا: أن الذين بنوا مجدهم على الظلم رحلوا، وأن الذين أقاموا سلطانهم على الدماء انقضى سلطانهم، وأن صوت الحق وإن خفت حينًا، لا يموت.
فطوبى لمن اختار طريق الرشد، وسلك سبيل العدل، وأحسن إلى الناس، ونصر المظلوم، ورفض التبعية للظالمين، وجعل من حياته جسرًا إلى الخير، ومن موقفه شهادةً للحق.
أما أهل الشقاء، الذين يزرعون الموت ثم يبحثون عن السلام فوق ركام الضحايا، فليعلموا أن الظلم مهما طال ليله، فليس له من آخرٍ إلا فجرٌ ينكشف فيه زيف القوة، وتبقى فيه الحقيقة وحدها واقفةً لا تنحني.
فالحق لا يحتاج إلى جبروتٍ كي يكون حقًا، والظلم لا يصبح عدلًا لأن وراءه قوة؛ وإنما العاقبة للعدل، والنصر للحق، والكرامة لمن أبى أن يكون تابعًا للظالمين.{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ}