الاثنين - 31 اغسطس 2026

بين سيكولوجيا الفرد وبناء المجتمع: قراءة نقدية في الشخصية العراقية واستعادة الثقة بالنفس..!

منذ ساعتين
الاثنين - 31 اغسطس 2026

فراس علي الهاشمي ||

 

 

 

​إن فهم المجتمع لا يبدأ من إطلاق التعميمات الجاهزة، بل من فهم النفس أولاً وتفكيك بنيتها النفسية والاجتماعية. وفي إطار السعي لتقديم تفكيك علمي رصين للشخصية العراقية بعيداً عن التشوية، لتكون أطروحة أكاديمية (ضمن دراسته للدكتوراه في علم الاجتماع) لتشكل مراجعة نقدية شجاعة للنظريات السائدة، وفي مقدمتها فرضيات ونظريات الدكتور علي الوردي الثلاث—وفي طليعتها نظرية “ازدواجية الفرد العراقي” وصراع الحضارة والبداوة.

​لم تكن غاية الرد على الدكتور الوردي لمجرد الخلاف العلمي، بل لرفع الإساءة والتناقضات التي وُصم بها الإنسان العراقي، جراء إغفال الإرث الحضاري والعقدي والعادات الأصيلة. لقد تناولت الأطروحة العلاقة السيكولوجية والفسيولوجية بين الإنسان والأرض؛ فكما تتنوع التضاريس والمناخات وتتميز كل منطقة بصنف معين من الفواكه والخيرات من الشمال إلى الجنوب، تتنوع الخصائص الاجتماعية والعقدية لتشكل نسيجاً متكاملاً لا تناقضاً مزدوماً.

​تشخيص الشخصية العراقية: نقاط القوة والضعف
​تتحرك الشخصية العراقية وفق نقاط قوة أصيلة ونقاط ضعف طارئة فرضتها الظروف التاريخية:
​نقاط القوة: تتمثل في الغيرة والشهامة، الذكاء والفطنة، الكرم والطيبة، الشجاعة، والإيمان الفطري العميق. يُضاف إلى ذلك القدرة الاستثنائية على التأقلم مع أقسى الظروف المناخية والتحديات عبر التاريخ.

​نقاط الضعف: تتجسد في الانفعالية وسرعة التأثر، الفردانية على حساب العمل الجماعي، وغياب الوسطية لصالح التطرف في الموقف. لكن أبرز نقاط الضعف هي التشاؤمية وجذورها في العقل اللاواعي.

​التشاؤم وتراكم الخوف التاريخي
​إن التشاؤم الذي يعاني منه العراقي ليس وليد اليوم أو نتاج الفساد السياسي الحالي فحسب—إذ إن الفساد في حقيقته سلوك مجتمعي يبدأ من الموظف البسيط وينتهي بهرم السلطة—بل هو نتاج “ثقافة الموجه” والموروث القاسي من حقبات المغول والعثمانيين ونظام البعث.

لقد زرع هذا التراكم خوفاً عميقاً في العقل الجمعي، وتجسد في تفاصيل الحياة اليومية:

​اللغة والمصطلحات: حين يتحدث الفرد عن الاحتمال المستقبلي يقول عادة: “أخاف أن يحدث كذا” بدلاً من “من المحتمل”.
​التقليل المعنوي: تصغير الأسماء الشخصية دلالياً (بخلاف ثقافات أخرى تعظم أسماء أبنائها لمنحهم الهيبة)، أو إطلاق وصف “الجاهل” على الطفل، مما يغرس الشعور بالدونية منذ الصغر.

​هذا التشاؤم يُترجم سيكولوجياً إلى فقدان الثقة بالنفس. وكما يعبّر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): “ما قتلت أحداً إلا وهو أعانني على نفسه”؛ فالقتيل ينهزم نفسياً قبل أن ينهزم جسدياً.

استعادة الثقة: الطريق إلى المستقبل
​إن الشعور بالدونية جعل البعض ينتظر الحلول من الأمم الغربية، متناسين أن تلك الأمم عاشت قروناً من التخلف بينما كان العراق مهد الحضارات، ومتناسين أن العقول العراقية المهاجرة اليوم تقود كبرى المؤسسات الطبية والهندسية في أوروبا.

​وقد أثبت الفرد العراقي قدرته على الفعل عندما ملك الثقة بنفسه وإيمانه:
​مقاومة الاحتلال الأمريكي وإجباره على التراجع برغم الفارق المهول في العدد والعدة.

​التصدي للذود عن المقدسات وقهر تنظيم “داعش”، حيث كانت العصائب الفصيل الأول وليس الاوحد والأبرز في صناعة هذا النصر.
​إن غاية هذا الفهم الذاتي والمجتمعي ليس الاستغراق في جلد الذات، ولا الهروب إلى الأمام، بل إعادة بناء الثقة بالنفس كشرط أساسي لنهضة المجتمع. فالعراق الذي يختزن الإيمان الفطري والإرث الحضاري مؤهل بالضرورة لتجاوز عقبات الحاضر، وتجاوز حالة التشاؤم لبناء مستقبل مستقر يمهد لدولة العدل الإلهي التي طالما ارتبطت بهذه الأرض المباركة.