السبت - 29 اغسطس 2026
منذ ساعة واحدة
السبت - 29 اغسطس 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

في مثل هذا اليوم، تتجدد الذكرى السنوية لارتقاء القائد والعارف آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم؛ وهي ليست مجرد محطة زمنية لتأبين رمز وطني وديني كبير، بل هي لحظة كاشفة يُستعاد فيها الوعي السياسي والأخلاقي في لحظات انكساره وتراجعه.

عندما أستحضر هذه الذكرى اليوم، لا أقرأها كحدثٍ أرّخته السجلات، بل كشريط حيّ يتتابع أمامي من سنوات المنفى وأروقة المعارضة في إيران؛ حيث كنت شاهداً عن قرب على تجربة استثنائية يخوضها شهيد المحراب. لم تكن المعارضة لديه مجرد حراك سياسي تقليدي أو بيانات تُصاغ لرفع السقف التفاوضي، بل كانت معركة وجودية تهدف إلى إبراز الصوت الحقيقي لشعبٍ يُراد له أن يُدفن في الصمت تحت وطأة الاستبداد الصدامي.

في تلك الأيام الشاقة، كان الانشغال الأساسي للسيد الحكيم يتركز على كسر العزلة عن مظلومية العراق. رأيته وهو يحوّل الأدوات الإعلامية والسياسية المتاحة إلى منصة دولية رصينة، لا تكتفي بنقل وجع الناس، بل تُفكك سرديات النظام الفاشي وتُعرّي ممارساته أمام الرأي العام العالمي. كان يحمل ملف الوطن بثبات العارف وصبر السياسي المحنك، يخاطب العالم بلغة عقلانية متماسكة تجمع بين البعد الإنساني الشامل والتحليل السياسي الدقيق، ليؤكد أن الشعب العراقي ليس مجرد ضحية، بل هو صاحب مشروع كرامة وسيادة.

كانت حركيته الفقهية والدينية تتدفق بعصرانية لافتة؛ فلم يتقوقع في الأطر الضيقة، بل طرح مفاهيم حوارية ومجتمعية يستوعبها المفكر والعلماني بنفس القدر الذي يتفاعل معها الأديب والكاسب البسيط. كان يرى في التنوع العراقي مصدر إثراء لا عامل تفتيت، وأن الدولة الوطنية لا يمكن أن تُبنى على المحاصصة أو المساومة النفعية، بل على التأسيس الأخلاقي والعدالة الاجتماعية.

حين وقف بعد سنوات العذاب في صحن أمير المؤمنين (عليه السلام) منادياً بالوحدة الوطنية وجامعية المصير العراقي، لم يكن يطلق شعارات للمناسبة، بل كان يضع البند الأخير في وثيقة حياته التي ختمها بالشهادة: أن صيانة الوطن وتبديد مشاريع التجزئة هما الشرط الأساسي لبقاء المجتمع.

اليوم، ونحن نمرّ بتراجعات بنيوية ملموسة على مختلف الأصعدة، وتغلب عليها الحلول الترقيعية والتشتت في البوصلة الجامِعة، تتجلى القيمة الحقيقية لمنهج شهيد المحراب. إن الوقوف في هذه الذكرى السنوية هو استحضارٌ لصلابة الموقف ورسوخ المبدأ، وتذكيرٌ حادّ بأنه لا خروج من الأزمات المركبة إلا بالعودة إلى نموذج القيادة التي تضع كرامة الإنسان وسيادة الوطن فوق كل حساب.