الجمعة - 28 اغسطس 2026

هل تريدون من عالم الدين أن يعتزل الحياة؟!

منذ ساعتين
الجمعة - 28 اغسطس 2026

د. علي المؤمن ||

 

 

علماء الدين الشيعة، كغيرهم من علماء الدين في المذاهب الإسلامية الأخرى، وكذا القساوسة والكهنة والرهبان، يوجّهون نصائحهم لمختلف طبقات المجتمع، شباب ونساء ومهنيين وعشائريين وفنانين وسياسيين، دون أن يكون في كلامهم خروج عن إطار النصيحة والموعظة والتهذيب والحكمة واللغة الأبوية.

إلًا أن العلمانيين تقوم قائمتهم إذا أحسوا أن عالم دينٍ يقوم بتكليفه الشرعي، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكأنهم بذلك يريدون تأديب عالم الدين ــ كما يقول بعضهم ــ وإخراسه، من خلال الطعن فيه، وتجريحه، والسخرية منه، لمجرد أنه مارس وظيفته الشرعية الطبيعية، وهو أمر يكشف عما وصلت إليه جرأة العلمانيين وخطابهم التعسفي، ووصايتهم حتى على الدين وعلمائه، في بلدٍ تبلغ نسبة المسلمين فيه 97% من عدد السكان.

لقد بات الخطاب العلماني هو من يحدّد لعالم الدين وظيفته، وما ينبغي أن يقول أو لا يقول، بعدما ظلّ العلمانيون يفتون طيلة عقودٍ في قضايا الإسلام ومضامينه وأحكامه، ويحددون ماهيته، وما ينبغي له وما لا ينبغي، وفيما إذا كانت تشريعاته تحتوي على نظامٍ سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، أو قوانين جنائية ومدنية وأحوال شخصية، أم لا.

وأصبح العلماني أيضاً هو من يحدّد وظائف المرجعية الدينية، وعلماء الدين، والخطباء، والمبلّغين، وصلاحيات كلٍّ منهم، فضلاً عن تكليف المتديّنين وحدود ممارساتهم الاجتماعية. فإذا تدخّل المرجع في شأن عام يتعلق بالدولة، قالوا لماذا يتدخل؟! لسنا في دولة دينية يحكمها الفقيه. وإذا لم يتدخل، قالوا أين المرجعية ورجال الدين عن هذا الموضوع؟!

ظلّ العلمانيون يُصرّون على رفض تدخل عالم الدين في السياسة، والحكم، والمقاومة، والاقتصاد، والمجتمع، والقوانين، والعلوم، والجامعات. واليوم يرفضون حتى تدخّله في نصح الناس، ووعظهم، وإرشادهم في قضايا الحلال والحرام، والأخلاق والقيم.

فإذا كان عالم الدين، والخطيب، والمبلّغ لا يمارس النصيحة والوعظ الديني، ولا يبلِّغ رأي الشريعة وأحكامها، ولا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، ولو باللسان كحدٍّ أدنى؛ فما هو عمله برأي العلمانيين؟! وماذا يُفترض به أن يفعل غير ذلك؟! هل يعتزل الناس ويجلس في بيته؟!

وهل المطلوب نفي المرجعية وعلماء الدين والخطباء والمبلّغين إلى جزيرةٍ معزولة، لمنعهم من إيصال صوتهم، وموعظتهم، ونصائحهم، وأحكام الشريعة إلى الناس؟!

إن وظيفة عالم الدين أساساّ هي النصيحة وإلقاء الحجة الدينية بالتي هي أحسن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان أحكام الشريعة. وما تقوله المرجعية ووكلائها وأغلب علماء الدين يدخل في صلب وظيفتهم الدينية، ولم يُصادروا يوماً حرية أحد، ولم يُقيدوا لسان أحد، ولم يمارسوا الوصاية على الدولة والحكومة والمجتمع والناس؛ بل يمارسون النصيحة والإرشاد والتوجيه والتنبيه لا أكثر. نعم؛ مجرّد الإرشاد والموعظة الحسنة.

حتى القساوسة والرهبان في أكثر البلدان الغربية علمانيةً وتعنّتاً ضد الدين، يمارسون الوعظ والنصيحة بكل حرية. بينما تريد الأقلية العلمانية في بلاد المسلمين أن تُخرِس عالم الدين وتمنعه من ممارسة أبسط وظائفه، وهي النصيحة والوعظ.

المفارقة أنّ هؤلاء العلمانيين يروّجون لأقوال عالم الدين والخطيب والمبلغ عمدما يهاجم الفاشلين والفاسدين في الأحزاب والشخصيات الشيعية ، وينشرونها بكثافة ويحتجّون بها، بهدف استثمارها سياسياً وانتخابياً ضد الأحزاب والشخصيات الشيعية. لكنهم يهاجمون هذا العالم نفسه إذا دافع عن أسلمة قوانين الدولة، أو استنكروا مظاهر الخلاعة في الشارع، والفساد الأخلاقي في بعض التجمعات العامة، والانحطاط القيمي والذوقي في بعض حفلات وأغاني وبرامج ومسلسلات وأفلام القنوات العلمانية، أو واجهوا الفكر العلماني، والشيوعي، والقومي.

هذا اللا منطق العلماني الذي ينطوي على ممارسة لونٍ بشع من ألوان الإرهاب النفسي وتكميم الأفواه، لا يتعارض مع بديهيات وظيفة الدين وعلمائه ومبلغيه فحسب، بل يتعارض أيضاً مع ما أقرّه الدستور العراقي بشأن موقع المرجعية الدينية والحوزة العلمية، ومعياريّة الشريعة الإسلامية في تشريعات الدولة، ومع منظومة الحقوق والحريات التي كفلها الدستور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ