عن وجع الرصيف وثروات الخفاء..!
محمد علي اللوزي
ونحن نسمع كثيرا عن المشاريع والانجازات من نظام ساد ثم باد، يحق لنا ان نسال ببساطة : كم معنا من سكة حديد تربط المدن والمحافظات؟ كم ترك لنا دور اوبرا ومسارح وقاعات للفنون التشكيلية ومتاحف تحفظ تاريخنا وذاكرتنا الوطنية؟ كم دور سينما ومتنزهات وحدائق عامة وحدائق معلقة وشاليهات ومتنفسات يستمتع بها الناس انجزها؟ كم جسرا ممتدا فوق الودديان والطرق، وكم طريقا آمنا ومهيئا لعبور المشاة؟ كم مستشفى حديثا يستقبل المواطن بكرامة، وكم مدرسة وجامعة بنيت وفق احدث المعايير، ومعها مساكن لائقة للطلاب والمدرسين؟
وكم لدينا من موانئ ومرافيء سفن قادرة على خدمة اقتصادنا، وكم مطارا حديثا يليق ببلد يريد ان يكون له حضور بين الامم؟ واين اسطول الطائرات الذي يجعل الشفر بين مدننا والعالم امرا طبيعيا وميسورا؟ اين تلك المدن التي تتراقص فيها الاضواء ليلا، وتنتشر فيها الحدائق والساحات والمكنبات والمراكز الثقافية والعلمية، ويشعر فيها الانسان ان المال الذي ينتجه الوطن قد عاد اليه في صورة خدمات وفرص وحياة كريمة؟
الدنيا سلامات. لا يضحك علينا اولئك القوم . فنحن منذ الولادة في معاناة تتبعها معاناة، ومن ازمة الى ازمة، ومن وغد الى وعد، بينما تتراكم الثروات في ايدي قلة، ويبحث المواطن البسيط عن ابسط حقوقه في التعليم والصحة والعمل والسكن والطريق والكهرباء والماء والامن.
المسكلة ليست في اننا لا نملك الموارد، ولا في ان اليمن بلد فقير بطبيعته كما يحاول البعض تصويره. المشكلة في ادارة الثروة، وفي الحروب التي اكلت حاضر البلاد، وفي الفساد والنهب وسوء الادارة والتصال الوثيق بالعمالة والارتزاق، وفي تحويل مقدرات الدولة الى غنائم تتقاسمها مراكز النفوذ، ثم يطلبون من المواطن ان يتحمل ويدفع ويصبر ويصفق لخير لم نجده .
والمفارقة المؤلمة ان الذين ساهموا في صناعة هذا الواقع، او استفادوا من مقدرات البلاد، نراهم اليوم ينعمون برساميلهم في بلاد الفرنجة وما جاورها سلوا (رشاد) وزبانيته ، من تركوا لنا الغبار والقراطيس تتطاير في الشوارع، ويطلبون منا في الوقت نفسه ان نصدق خطاباتهم عن الوطنية والمستقبل وعائدون ياصنعاء.
حتى الوطنية يريدونها حكرا لهم. هم الوطنيون وخدهم، ومن يخالفهم يصبح عميلا وخائنا ومدانا، وكأن حب الوطن صك ملكية خاص لشرذمة قليلين، لا يحق لبقية اليمنيين امتلاكه. والغريب ان تجد من يطبل لهؤلاء ويمقت ابناء وطنه، ويدافع عن اصحاب الرساميل والنفوذ، بينما يعيش البسطاء في قعر الجحيم، لا يملكون سوى قوت يومهم وحروفهم وصوتهم حتى اولئك الذين هاجروا معهم فوجدوا انفسهم على قارعة الطريق في حالة بؤس شديد وتجاهل لهم من قبل الميسورين في عواصم البترو دولار . بما يجعلنا نسأل:
لماذا يصبح صاحب المال والنفوذ مقدسا، بينما يصبح الفقير مذنبا لمجرد انه طالب بحقه واعتنق املا باعوه له فلم يجد غير كالحات الايام؟ لماذا يغفر للثري ما لا يغفر للفقير؟ ولماذا يصبح النقد خيانة عندما يوجه الى اصحاب السلطة والمال، بينما يصبح التشهير ببسطاء الناس بطولة ووطنية؟
ان الوطنية الحقيقية ليست شعارا ولا علما يرفع في المناسبات زفي مقابلات السفراء غي صوالين فاخرة وفنادق سبعة نجوم، وليست وظيفة ولا امتيازا ولا حسابا مصرفيا في الخارج. الوطنية ان يكون الوطن وطنا لكل ابنائه، وان تكون ثروته ملكا لشعبه، وان تتحول موارده الى مدارس ومستشفيات وطرق وجامعات وموانئ ومطارات ومصانع وحدائق وفرص عمل، لا الى ارصدة وثروات خاصة ومشاريع شخصية. غي عوصم البلدان الغرلية وغيرها.
نحن لا نريد قصورا للمتنفذين، بل مساكن لائقة للمواطنين. لا نريد ثروات تتكدس في الخارج، بل اقتصادا يعمل في الداخل. لا نريد خطابات، بل جامعات تنتج المعرفة، ومستشفيات تحفظ كرامة المريض، ومدارس تفتح ابواب المستقبل امام الاطفال، وطرقا تربط اليمنيين ببعضهم بدلا من الحواجز والانقسامات.
ولا نريد ان نعيش على فتات المساعدات والمنح والوعود. نريد وطنا ينتج ويزرع ويصنع ويصدر ويستثمر موارده لصالح ابنائه. نريد دولة تقيس نجاحها بعدد المدارس التي بنيت، والمستشفيات التي تطورت، والوظائف التي خلقت، والطرق التي شقت، والجامعات التي ارتقت، والناس الذين تحسنت حياتهمم، لا بعدد السيارات الفارهة والقصور والارصدة التي يمتلكها اصحاب النفوذ من بائعي القيمووالمباديء..
ان اعظم كذبة يمكن ان يصدقها الناس هي ان الفقر قدر ابدي، وان البؤس هو طبيعة اليمن، وان على اليمني ان يظل صابرا على الحرمان الى ما لا نهاية. الشعوب لا تنهض بالصدفة، وانما بالعدالة وحسن الادارة واستقلال القرار واستثمار الثروة في الانسان.
ولهذا نقولها بوضوح: كفى مزايدة على الوطنية، وكفى استخداما للفقراء وقودا للصراعات، وكفى تحميل البسطاء فاتورة اخطاء الكبار. الوطن ليس ملكا لاحد. الوطن ملك ابنائه جميعا، وثروته يجب ان تعود اليهم، ومستقبله لا يجوز ان يرهنه احد لمصالحه الخاصة وعمالاته التي لاتنتهي.
اما ان يبقى اليمني محاصرا بين الفقر والحرب والبطالة والمرض، بينما تتنقل الرساميل المنهوبة بين العواصم، ثم يخرج علينا اصحابها ليحدثونا عن الوطنية والتضحيات، فهذه ليست وطنية هذا تظليل جهنمي، و استهلاك للوطن حتى آخر ذرة من صبر مواطنيه.




