البصرة ليست ساحة لتصفية الحسابات.. حين يفقد السياسي لغة الحوار.. من يدافع عن هيبة البصرة؟!
عامر جاسم العيداني ||
عامر جاسم العيداني
ليس عيبا أن يختلف النائب البصري مع أي عضو في مجلس محافظة البصرة وليس عيبا أن يختلف مع المحافظ أو مع أي مسؤول آخر. فالسياسة في جوهرها اختلاف في الرؤى والمواقف والرقابة البرلمانية والمجالس المحلية وجدت أصلا لمساءلة المسؤول ومحاسبته.
لكن العيب أن يتحول الاختلاف السياسي إلى خطاب شخصي وأن تتحول المواقف من نقد الأداء إلى إطلاق الأوصاف والعبارات التي لا تليق بمسؤول منتخب.
ما ظهر في المقاطع المتداولة من حديث النائب يستحق التوقف عندها ليس دفاعا عن احدهما ولا هجوما على السيد أبو العيس وإنما دفاعا عن مستوى الخطاب الذي يفترض أن يقدمه من يشغل موقعا نيابيا ويمثل شريحة من أبناء البصرة.
فالنائب عندما يتحدث أمام الناس لا يتحدث بصفته الشخصية فقط ولانه يحمل صفة دستورية وسياسية وكل كلمة تصدر عنه يمكن أن تتحول إلى موقف عام. ولهذا فإن قوة النائب لا تقاس بحدة عباراته ولا بقدرته على إحراج خصمه وإنما بقدرته على تقديم الدليل والوثيقة والحجة.
وإذا كان لديه اعتراضات على أداء المحافظ أو مجلس المحافظة أو أي مسؤول محلي فالأبواب مفتوحة: مجلس النواب، الجهات الرقابية، القضاء، الإعلام، والشارع البصري الذي يستطيع أن يحكم بين المواقف. أما لغة التجريح فلا تسقط خصما سياسيا وإنما قد تضع صاحبها أمام سؤال أكبر: هل يليق هذا الأسلوب بممثل عن البصرة؟
البصرة ليست محافظة عادية إنها بوابة العراق الاقتصادية ومصدر الثروة النفطية الأكبر ومحافظة الموانئ والغاز والطاقة ومع ذلك ما زالت تواجه أزمات الماء والبيئة والخدمات والبنية التحتية وفرص العمل. ان أبناء البصرة لا ينتظرون من نوابهم ومسؤوليهم أن يتباروا في ارتفاع نبرة الخطاب بل ينتظرون منهم أن يتباروا في حل مشاكل المحافظة.
ولذلك فإن الرد المناسب لا ينبغي أن يكون شتيمة مقابل شتيمة ولا إساءة مقابل إساءة. فالرد الأقوى والأكثر احتراما هو أن يقال له:
إذا كانت لديه ملفات فساد أو تقصير قدمها بالأسماء والوثائق، وإذا كان لديك اعتراض على أداء أي مسؤول فاطرحه بالأرقام والوقائع. أما العبارات الشخصية فلن تغير شيئا من واقع البصرة ولن تحل مشكلة مواطن واحد.
وهنا ينبغي أن يتوقف الجميع عند نقطة مهمة “النقد “حق لكنه ليس رخصة للإساءة. كما أن الرد على الإساءة إن حصلت لا ينبغي أن يتحول إلى إساءة جديدة لأن ذلك يجعل المواطن البصري هو الخاسر الوحيد بينما يتحول الخلاف بين المسؤولين إلى معركة شخصية لا علاقة لها بمصالح المحافظة.
إن البصرة بحاجة إلى سياسة مختلفة، سياسة لا يكون فيها الخلاف سببا للخصومة ولا الاختلاف مبررا للتسقيط ولا المنصب وسيلة لرفع الصوت على الآخرين، بل نريد نائبا يسأل: أين ذهبت الأموال؟
ونريد عضوا في مجلس المحافظة يسأل: لماذا تأخرت المشاريع؟
ونريد محافظا يجيب عن نتائج عمله. ونريد جميع المسؤولين أن يضعوا أمام المواطن الأرقام والوثائق والحقائق.
أما أن تتحول البصرة إلى ساحة لتبادل الاتهامات والعبارات القاسية فهذا لا يليق بها ولا بتاريخها ولا بأهلها.
نائب في البرلمان وعضوان في مجلس المحافظة، وأيا كان الخلاف بينهم فإن كل منهم مسؤول أمام أبناء البصرة عن مستوى الخطاب الذي يقدمه.
فالمنصب العام ليس امتيازا لرفع الصوت وإنما مسؤولية لخفض التوتر ورفع مستوى النقاش، وفي البصرة اليوم لا يحتاج الناس إلى من ينتصر على خصمه بالكلام بل إلى من ينتصر للمحافظة بالفعل فليكن التنافس على خدمة البصرة لا على من يجرح الآخر أكثر.
وهذه ليست مجاملة لأحد وإنما رسالة إلى الجميع ان
البصرة أكبر من الأشخاص وأكبر من المناصب وأكبر من الخلافات السياسية ومن لا يستطيع أن يحترم خصمه عليه أن يتذكر أنه يخاطب شعبا بأكمله.




